عقدة مدينة الملاهي..


إن صحت تسمية الفترة .. في مرحلة (( الطفولة )) مع تحفظ شديد ..

كنا بين آونة وآخرى …في فترات متباعدة .. نرتاد أحد المطاعم في عين الفيجة أو عين الخضرة ( أحد المناطق الاصطيافية على طرف مدينة دمشق بقرب نهر بردى ) وكانت العزيمة بنسبة 100% على حساب أحد أفراد العائلة عمي أو خالي …..الخ , لأن أسرتي حينها كانت في وضع لا يسمح لها مدخولها الشهري مع دين عمو أبو توفيق أن نأكل لحماً مرتين خلال ثلاثة أشهر …والفقر لم يكن عيباً يوماً  … وإن كان مذلاً أياماً …

لم تكن فرحة أختي ريم توصف حينما تسمع كلمات أمي (( خوالك عازمينا الأسبوع الجاية على عين الفيجة ))

ولم أكن عندها أقدر على حبس مدامعي طويلاً … لأسباب ..

كنا نتحضر طويلاً ونكون جاهزين قبل الموعد المحدد بساعات … في ليلة المشوار .. نتسامر أنا وريم عن ماذا سنفعل في يوم الغد .. ونضع خطة للأغراض .. وللمشاريع التي في كل مرة تبقى أسيرة أذهاننا الحالمة .. حتى نغفو ونحن نحلم بيوم مشرق..

في اليوم المزعوم ..

نتوزع في السيارات  أمي وأبي في سيارة خالي بسام .. وأنا وأختي في سيارة خالي محمد ..

وبالتناوب .. مرة أخي الكبير .. ومرة أخي الأوسط يذهب معنا .. لأن المكان المتبقى يتسع لشخص واحد .. ولم يكن ذاك مدعاة ألم لأن الأمر أصبح عادة

ربما كان سعيد الحظ الذي يبق في المنزل .. لكي لا يتلوى من مرارة ما احترقت …

لأنني منذ يوم ولادتي كتب على هويتي .. عمري 50 سنة ..

ما إن نصعد السيارات حتى تبدأ الأحاديث الشامية الجانبية تدور بين الجالسين .. مع التسلية “بفصفصة البزر” وأكل البسكوت الذي كان من مميزات سيارة خالي بسام .. ووجوده ضروري كوجود دفتر الميكانيك ..

أما ماهر فبين اثنتين … إما منتظراً أن يرمق طرف مدينة الملاهي .. أو ينام على صدر زوجة خاله الذي استأصل الآن ……..

” نعم .. شكراً يا قدري ..حتى هذا الحنان سلبتني ..”

من يومها .. لن أتجرأ أن أنام إلا على الأرض .. لأنك القدر لن يقو عليها ….. وقصتي مع القدر طويلة لن أسترسل فيها ..

بعد حوالي 55 دقيقة.. أبدأ بسماع ضجيج مياه بردى المحببة… ومن ثم تتوالى المصاطب على أطرافه.. ناهيك عن ألحان صوت القطار الذي طالما حلمت أن يأخذني معه يوماً ..

على السكة  ..كنا نضع أحجاراً صغيرة أو بحصات لنختبر مقدرة القطار على طحنها

شيئاً فشيئاًَ أرى كرة وهي اختراع معروف بالنسبة لي في تلك الفترة لكنه غير مجرب … عكس كل أنواع أملاح العبرات التي لي معها باع طويل..


برمقة مهراقة .. أبدأ أعاين ( القلابة ) في مدينة الملاهي على ركن عين الخضرة ..

……………………………………………………………………………………………………

لحظات لا تعبر عنها كلام …

تضيق الأحداق في عيني شيئاً فشيئاً .. يلتصق وجهي بزجاج السيارة .. وكلتا يدي كذلك .. ها نحن على بعد أمتار من مفترق الطرق ..

إما نكمل باتجاه عين الفيجة أو ننزل باتجاه عين الخضرة .. وكلا الحالتين سواء سوؤهما …

إلا أنني في الثانية سأبق قريباً من حبيبتي مدينة الملاهي .. عسى أن يواسيني رؤيتها ..

كم كنت أتمنى في تلك اللحظة أن تتوقف بيغ بين .. ويتوقف معها كل الزمن..

كم كنت أتمنى أن تتعطل السيارة بجانب مدينة الملاهي .. ليخطر في بالي خالي أن ينزلنا إليها ..

كم كنت أتمنى أن يحدث حادث..

أن يوقفنا الشرطي ..

أن يهطل ثلج كثيف ..

أن يحدث أن شيء يوقف سيارة خالي البيضاء الصغيرة

وها هي ساعة الحسم ….

عيوني معلقة بالسيارات في مدينة الملاهي … وروحي تصعد مع كل أرجوحة .. لا أريد الرحيل ..

لكن لا العيون المعلقة .. ولا الدموع الملقة .. توقف سيارة خالي ..

تكمل السيارة .. ويستمر السيران .. وتستمر الأحزان .. لتتجدد المأساة نفسها في طريق العودة وأنا أرى نفس المشهد

ومع كل عودة لذاك المكان

حتى الآن

ما زالت حسرة في نفسي .. ما زالت عيني تغسل نفسها كلما مررت من ذاك النهر الشحيح

للحديث شجون ……

جرعة زائدة : لن أكتب قصة حقيقية … لأن الحقيقة .. أن الإحساس أوسع من أن يتسع بكلمات

جرعة حزينة:  من أقسى اللحظات أن تشعر بالألم وأنت تجهل الأسباب


سياق متصل .. عقدة الركوب على الدراجة

Advertisements

19 responses to “عقدة مدينة الملاهي..

  1. الله يعطيك العافية ماهر ..
    حلوة الذكريات ..
    أنا أذكر أن والدي كان كثيرا ما يرفض طلباتنا المكررة بالوقوف على هذه الملاهي في عين الخضرة .. ويستجيب في بعض الأحيان ..
    وهذه حالة عامة لدى عدد من أصدقائي ….
    قبل أشهر قليلة كنا نتغدى في عين الفيجة وتذاكرت مع اصدقائي من أيام الصبا شيئا قريبا من هذا الذي تقول ….
    ومن ثم عقدنا العزم على زيارة هذه الملاهي وركبنا في الدويخة وسيارات التصادم .. ولما رأى صاحب القلابة ما جرى في الدويخة التي ركبها المتصابيين الذين كادوا ان يحطموا المكان كله (-: أصغر واحد فينا عمره ( 27 سنة ) .. رفض يركبنا بالقلابة !!
    فعملنا دورة تانية بالسيارات ..
    كثير من الأمور التي سعيت لها ولم أدرك لذتها في طفولتي أحاول ان أبلغها بعض الصغار من عائلتي .. وأحيانا اعاود انا بلوغها 🙂
    على بالي ألعب حولة مولة وغش عليكن مرة تانية هههههه
    شكرا ماهر …

  2. ماهر

    عقدة مدينة الملاهي تتوالى ربما دون أن نشعر… فكم من الأشياء و الأشخاص تتسمر عندهم أحداقنا و أرواحنا ثم لا بد أن نمضي على أشلاء رغباتنا بصمت و انكسار..
    مؤثر جداً ما كتبت لأننا جميعاً نجد بين السطور شيئاً منا.

    مودتي

    رزان أياسو

  3. عنما قرأتها وقفت ساعات لا أدري ما أقول
    صدمت لأنني لم أكن أشعر يوماً بهذه المواقف وأنا أقرب المقربين
    ولكنني في النهاية وصلت إلى نتيجة ليعلمها الجميع :
    يجب أن نفخر كلنا بأن منا من ينطق هذه الكلمات وهو ابن عميد سوري متقاعد
    فإنه إن دل على شيء يدلنا كم كان شريفاً ونزيهاً ذاك العميد حتى على حساب أولاده وأهل بيته يأبى إلا أن يكون في عداد الشرفاء وهو في مكان يحلم أن يكون به من يكون ليفعل ما يفعل.
    عمي احسان وليس المتقاعد أفخر به
    وأفخر بك ماهر إذ كانت عزة نفسك تمسك تلك الكلمات حتى هذا اليوم.
    وأخيراً …. صارحني أكثر

  4. قصة مؤثرة…كلمات واحاسيس روعة
    لابد لاي احد منا الا ان يكون قد مر بها
    رجعتني للبعض لحظات الماضي ولو كانت قاسية ولكنها جميلة

    شكرا لك لانك شاركتنا بها
    وارجو تقبل مشاركتي

    رباب

  5. أحمد بلوند:
    لا تبك يا صديقي
    فما آن لشيء أن يزول
    الدمع باقي باقي

    الشجرة الأم:
    نورت مدونتك .. الألم كبير كبير وما هذا إلا فيض من غيض ..
    لنترك المداواة … لا بد من البتر

    محمود المعلم:
    مهما بلغنا ما بلغنا ..
    يبقى في القلب جرح عميق
    دعنا من التحامل
    الدمع أصدق إنباء من الكتب ..
    في حده الحد بين الرمش والمقل..

    أنتظر غشك بفارغ الصبر يا أخي الكبير
    أعتز بشهادتك صديقي

    سيدة رزان
    إنه لمن الشرف أن تدخلي بيتي المتواضع
    ومن السرور أن تخط أناملك فيه

    “فكم من الأشياء و الأشخاص تتسمر عندهم أحداقنا و أرواحنا ثم لا بد أن نمضي على أشلاء رغباتنا بصمت و انكسار..”
    نعم
    كثيرون كثيرون كثيرون

    رباب:
    من كل قلبي أرحب فيك أخت رباب
    لحظات قاسية
    لكنها موجودة
    ماذا أفعل ؟؟؟

    أبو التوف / …………………………………………………..
    ………………………………………………………………
    ………………………………………………………………
    ……………………………………………………………..
    ……………………………………………………………..

  6. ديما . .. ستلمس أصابعي الشمس
    أشكر مروركما اللطيف
    وتعاطفكما ..
    لربما تلمس أصابعي الشمس يوماً
    وحبذا يكون هذا اليوم قبل الرحيل ..
    .
    .
    شجاعة
    قوة
    على الذكريات .. ! ! !
    آمل ذلك
    ودك جميل

  7. أبا المهر ما تعانيه قد عانه الكثيرون منا …
    فعندما كنت صغيراً كانت أحوالنا المادية لا تسمح لأبي أن يعودنا على البذخ و مع ذلك لم يحرمنا من شيء ، و ذات مرة في الصف الأول لم أحصل في أول فصل على درجة امتياز بل على درجة جيد فقط ، و كمكافأة لي من والدتي اشترت لي علبة من الكولا و عندما عاد والدي إلى المنزل و قرأ ( الجلاء ) انبرى غاضباً خاصة بعدما علم أن أمي اشتؤت لي علبة الكولا و أني لا أستحقها أبداً … و لا زلت أذكر تلك الحادثة جيداً فخرجت منها طالباً مجداً جداً و هذا هو الجانب الإيجابي برأيي …
    لذلك كما ترى لكل شيء جوانب سلبية و أخرى إيجابية و لعل أهلنا أجبرتهم الظروف في يوم من الأيام على أن يضيقوا علينا المصروف إلا أنهم بلا شك أحسنوا تربيتنا …
    لذلك أرجو أن تبقى تلك الذكريات للعبرة و على سبيل (التفكه=التندر) …
    و أتمنى لك عيداً مباركاً …
    و كل عام و أنت بخير يا صديقي .

  8. ماهر صديقي وأخي :
    يعني بعد شوي حأبكي أنا وعم أقرأ الموضوع ….يمكن نحن كلنا عانينا من طفولتنا وحملنا هي المعاناة وبئيت جواتنا يمكن هلئ هي المشاعر تلاشت هلئ من أدام عيونا بس ما اختفت هي موجودة بللاشعور تبعنا لذلك انا شخصيا بئول كل شي انحرمنا منو بصغرنا بدي حاول أتلافاه بولادي وئت يصير عندي ولاد …. هاد كلو غير ~أنو أنا رحت عالارض السعيدة 3 مرات وبكل مرة بطلع من هنيك بحس حالي طفل ….. لك أة طفل يعني منطلع من جوا أنا ورفئاتي وعيونا لساها مسمرة على الألعاب وكأنو ما بدنا نطلع وكأنو في شي عم يشدني لجوا …….. يمكن لانو نحن بدنا نعوض شي كنا منفتقدوا……. ماهر شكرا عالموضوع الرائع وخلينا بئى نظبطلنا شي روحة نفش فيها ئهرنا …….. ونرجع أطفال ولو لساعة وحدة ……..ساعة وحدة يا شباب …….

  9. أنس .. أحمد
    أعضاء الحلف القوي..
    بين المزح والضحكات .. تنساب دمعة طاهرة برئية ..
    ربما عزائي الوحيد
    هو وجود إخوة لي أمثالكم
    شكرا لوجودكم في حياتي

  10. كم كنت أتمنى في تلك اللحظة أن تتوقف بيغ بين .. ويتوقف معها كل الزمن..
    كم كنت أتمنى أن تتعطل السيارة بجانب مدينة الملاهي .. ليخطر في بالي خالي أن ينزلنا إليها ..
    كم كنت أتمنى أن يحدث حادث..
    أن يوقفنا الشرطي ..
    أن يهطل ثلج كثيف ..
    أن يحدث أن شيء يوقف سيارة خالي البيضاء الصغيرة
    وها هي ساعة الحسم ….
    عيوني معلقة بالسيارات في مدينة الملاهي … وروحي تصعد مع كل أرجوحة .. لا أريد الرحيل ..
    لكن لا العيون المعلقة .. ولا الدموع الملقة .. توقف سيارة خالي ..

    ……………………………………………………………………….

    أضعها كما هي …
    لا تعليق لي … لا توجد كلمات هنا أبداً
    أبدعت ماهر , أبدعت فعلاً

  11. ماذا عساي أن أقول ..!
    ماذا عساي أن أتكلم..!

    جف القلم و حار اللسان و تلعثمت الكلمات امام صدق مشاعرك
    قصتك كما قال الكثيرون ليست حالة خاصة
    بل نستطيع أن نعممها على أكثر من نصف أطفال الشام
    من منا لم يتمنى الدخول لتلك الملاهي عندما كان صغيرا؟؟!!
    من منا لم يطلب من والديه الوقوف لدقائق معدودات للعب بألعابها؟؟!!

    شكراً لك يا صديقي
    كلما زدت جرعتك تألقت أكثر
    أســـــــــــــــــف جدا على تأخري في الرد
    لا عذر لي

  12. تعقيب: عقدة الركوب على الدراجة .. « جرعة زائدة…

  13. طالما أبكتني عقد الطفولة اللعينة
    فأعذرك ..

    وما زالت ..

    إنها بالفعل جرعة قاسية .. زائدة في آن معاً

    كان الله في عون قلب كل طفل
    عانى ما عانيته

    لكن الحمد لله
    يولد الإبداع من رحم الألم
    وهذه ضريبة الحرف الصادق
    أن يكون مغسلاً بالدمع المكفكف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s