بين ياسمينة بيت جدي .. وبين رائحة يدي أمي ..

أكتب بالقلم الرصاص .. 16/6/2010

السادسة والنصف صباحاً بعد ليلة دراسية حالكة الصعوبة والتعب

كان لنا في بيت جدي أبو محمد (رحمه الله) شجرة كبيرة.. تدلى الياسمين

منها من أصابعها التي فاقت المئة ..

يطلق أهل الشام العتيقة على هذا النوع من المقدسات النباتية ” دالية “

وهي تتوسط أرض الديار ..

الدالية هذه كانت تحمل آلاف الأزرار البيض (ولو في نظري على الأقل ).. ولها من العمر ما شاء الله

فقد ولدت وانا أشتم ريحها وأشعر بروحها تملأ بخضارها أرجاء البيت

وهي حبلى بخضار دائم .. لا تمل حمل الأزهار المتعشقة برحيق لطالما طاب لي

لعقه ..

كنت في صبيحة كل يوم أصطاد زراً أبيضاً .. وأنساه بين شفتي ..

إلى أن يسقط سهواً .. فصرت من يومها أنطق بالياسمين ..

أذكر أنني كنت أكرر عملية خطف الأزهار هذه كل يوم ..

وكلي حيرةً حد اللحظة كيف لم تنتهي أزهار الياسمين مع إصراري اليومي على أخذ مولود في كل يوم

لا أمل حبها .. ولا تمل عطائي ..

كانت سنة بعد سنة تزيد من كبريائها حتى عانقت ياسمينتي هذه رموش السماء ..

كنت كل يوم قبل النوم وبعده .. أقص لها أغرب الحكايات ..

وأشعر أنها تسمعني وتواسيني ..

فكان لي مع كل غصن حكاية .. ففوق هذا العصن لي قصة دمع .. وتحت ذاك

لي حكاية فرح .. وبجانت تلك الزهرة كان لي نجاح ..وبجوار تلك ليلة سهر

وأخرى تحمل هم وقلق ورابعة وخامسة كل واحدة تنسج لي حكاية وتنساها بين ضلوعها

بين أمل وألم وخشية وإجلال .. وفي هيبتها وكبريائها جمال ما بعدها جمال ..

ياسمينتي هذه ودعت الدنيا بعد رحيل جدي بأسابيع ..

يقول عمي إنها حزنت على فراقه فلحقت به ..

ورغم أن لموتها سبب علمي آخر ..

إلا أنني أهوى أن أصدق تلك الأساطير الشعبية المحببة

لا أدري لماذا تذكرت تلك الياسمينة الآن .. ولماذا هي دون غيرها من كراكيب بيت جدي

لكن على كل حال .. لروحها ولروح جدي

طيب وأمان .. وبرد وألف سلام

(1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذات زمان في بيتنا… ودوناً عن كل بيوت البلدة كان الثلج ينهمر كل صباح!

نشتم رائحه… ونبني أحلامنا تحته!

نعم في هذه البقعة من الارض… كان الثلج ينهمر صيفاً… كنا نلتقط أزهار الياسمين وهي تتساقط كل صباح في ارض ديار بيتنا…

أمي… تمسك مجرفة, تحفر حفرة صغيرة, تضع نبتتها, تدفنها بحنان, وتثبت التربة من حولها…

أمي… هي من زرعت بيديها ورد الياسمين في بيتنا… وزرعت بأرواحنا عشقنا لهذه الوردة…

رغم شجرتي النانرج التي كنا نتسابق الى قطف ثمارها!

ورغم شجرة الليمون التي كنا نحفر اسمائنا على اغصانها!

بقيت زهرةالياسمين تلك هي سيدة (ارض ديارنا) بلا منازع…

رائحتها كانت تسحرني… (فلا يعرف الشوق إلا من يكابده)… ولا يعرف رائحة الياسمين إلا من يدمنها صباحاً ومساء…

قالوا يومها: ان رائحة الياسمين قد أعمتني !

أعمتني عن كل الألوان فعشقت أبيضها!

كلما لمحت فتاة بثوب أبيض…

طفلاً يحمل قلباً أبيض…

تقياً يحرم بقماش أبيض…

أمي كلما لبست ثوب صلاتهاالأبيض…

لا أتذكر سوى… الياسمين!

اليوم في بيتي الجديد…

قررت أن أزرع الياسمين…

زرعته في الصالة, في الممرات والغرف, في المطبخ وتحت السلالم وفوق السطح, سيجت به مدخل البيت, وشرفات النوافذ…

وخاب أملي…

بت أرى الياسمين في كل مكان … ولكني لا أشتم رائحته!

أثقلني سر معشوقتي الصغيرةالتي أضحت تسكن منزلي ولكن بلا رائحة…؟

دلني فضولي الى شيخ جليل أساله سر ازهاري الجديدة

نظر الشيخ الي طويلاً ثم قال مبتسماً: ياولدي… في ارض دياركم قديماً… لم يكن ما شممته هو رائحة الياسمين…

بل كان رائحة يد أمك !

(2)

بقلم : (1)   ماهر المونس

ـ: (2)  فادي المصري

جرعة زائدة

http://www.facebook.com/pages/%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%86%D8%A9-%D8%AC%D8%B1%D8%B9%D8%A9-%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D8%A9/200850296601823?ref=ts

Advertisements

10 responses to “بين ياسمينة بيت جدي .. وبين رائحة يدي أمي ..

  1. ذات زمان في بيتنا… ودوناً عن كل بيوت البلدة كان الثلج ينهمر كل صباح!
    نشتم رائحه… ونبني أحلامنا تحته!
    نعم في هذه البقعة من الارض… كان الثلج ينهمر صيفاً… كنا نلتقط أزهار الياسمين وهي تتساقط كل صباح في ارض ديار بيتنا…
    أمي… تمسك مجرفة, تحفر حفرة صغيرة, تضع نبتتها, تدفنها بحنان, وتثبت التربة من حولها…

    أمي… هي من زرعت بيديها ورد الياسمين في بيتنا… وزرعت بأرواحنا عشقنا لهذه الوردة…
    رغم شجرتي النانرج التي كنا نتسابق الى قطف ثمارها!
    ورغم شجرة الليمون التي كنا نحفر اسمائنا على اغصانها!
    بقيت زهرةالياسمين تلك هي سيدة (ارض ديارنا) بلا منازع…
    رائحتها كانت تسحرني… (فلا يعرف الشوق إلا من يكابده)… ولا يعرف رائحة الياسمين إلا من يدمنها صباحاً ومساء…
    قالوا يومها: ان رائحة الياسمين قد أعمتني !
    أعمتني عن كل الألوان فعشقت أبيضها!
    كلما لمحت فتاة بثوب أبيض…
    طفلاً يحمل قلباً أبيض…
    تقياً يحرم بقماش أبيض…
    أمي كلما لبست ثوب صلاتهاالأبيض…
    لا أتذكر سوى… الياسمين!

    اليوم في بيتي الجديد…
    قررت أن أزرع الياسمين…
    زرعته في الصالة, في الممرات والغرف, في المطبخ وتحت السلالم وفوق السطح, سيجت به مدخل البيت, وشرفات النوافذ…

    وخاب أملي…
    بت أرى الياسمين في كل مكان … ولكني لا أشتم رائحته!
    أثقلني سر معشوقتي الصغيرةالتي أضحت تسكن منزلي ولكن بلا رائحة…؟
    دلني فضولي الى شيخ جليل أساله سر ازهاري الجديدة
    نظر الشيخ الي طويلاً ثم قال مبتسماً: ياولدي… في ارض دياركم قديماً… لم يكن ما شممته هو رائحة الياسمين…
    بل كان رائحة يد أمك!

  2. كم قرأت وقرأت من إبداعاتك

    وفي كل مرة يعتريني صمت رهيب

    فأيقن أن الصمت في حرم الجمال جمال

    تحياتي

  3. وفي كل مرة سأقرأ فيها تعليقاتك
    سأكون في نفس الصمت الرهيب الذي يعتريك
    لأن كلماتك بذاتها تحتاج لرد

    فعذراً
    إني في حرم الجمال ……….

  4. لن أثني، فقد بت أخشى أن أنحدر إلى وادي المجاملة.
    يحمل قلمك دائما مفاجآت سارّة، عبقها بعض من ذاك الياسمين.
    حفظك الله.

  5. كم أهوى قراءة حروفك
    ولو قدر لي لكتبت لك كل يوم ألف كلمة لتردي على واحدة منها

    رسمت كلماتك صورة النور في عالم ملكوتي
    وكهنوتي يسبّح بتبجيلك

    أدمنتها نعم .. وأعرف أنها ستكون طريق هلاكي ..
    لكن إلى عالم نور
    فيا حبذا …

    كل الشكر لك
    حفظك الله ..
    وحفظ أناملك وقلمك

  6. طهر الياسمين وعبقه سافرا بي إلى حيث لاأدري … ربما إلى بيت جدك … روى لي الجدأقاصيص من ألف عام وعام
    وفي عالم ساحر رأيت ماهر وقد امتهن العشق فأبدع في سرد حكايات جده
    اتخذ له مكانا تحت ظل ياسمينه
    تدلت بكل رفق … أشعلت حنينه
    فأطلق على وريقاته ذاك الحنين
    فكانت ….. حكاية الياسمين

  7. من دون أن أدري من أنت ..
    لكن اسمك أزهر في مدونتي ..
    وياسمين كلماتك كذلك ..
    بيت جدي شبيه بعشرات البيوت الدمشقية العتيقة
    وكذاك جدي يشبه عشرات رجال ذاك القرن …

    كل الشكر لإطرائك اللطيف أخية ( الزهراء )
    كم أهوى هذاالاسم …

  8. رحم الله جدّك و أجدادنا جميعاً و لي قصة و ذكريات في بيت جدّي إن أحببتم الإطلاع عليها فهي موجودة في مدوّنتي النّاشئة و كل عام و أنتم بألف خير لمناسبة حلول شهر رمضان المبارك.

    محمّد صالح
    روسيا

  9. رائعة … رائحة الياسمين … وكتاباتك … وجرعة زائدة
    وأنا على قناعة تامة أن الياسمينة حزنت على فراقه فلحقت به ..

  10. تدوينة عابقة بشذى الياسمين

    كل حرف قرأته شميت فيه ريحةتربيت بجنبها
    ياسمينة بيت جدك ذكرتني بحارات الشام العتيئة يلي ربيت فيها ولعبت حدها

    رائـــــعـــة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s