لو كان لي جناح ..

غفوت .. على عادة الصخور الصماء التي تتفجر منها تجاعيد المياه الدفينة .. وأنا أسبح ببحري الميت ..
وملوحة دمعي فاقت ملوحته ..

سرعان ما نقلتني آلة الزمن العجيبة .. عبر أحلامي التائهة .. من السباحة للطيران ..
الحلم بدأ :

” نسر أسود ضارب للحمرة .. ذو جناحين أحمرين .. الواحد منهما بطول المشرق ..
ورأسه منتصب يدري أنه ماهر .. ولا يدري أن له جناحين …
جاء النسيم ليهمس في أذنه .. بإمكانك الطيران الآن ..
النسر لم يصدق همس النسيم .. أبقى ذراعيه ساجدتين .. ولم يحرك ساكناً ..
رحل النسيم حاملاً شكواه للرياح .. (( النسر في محرابه لا يتحرك .. ))
رفعت الريح ما استطاعت من غيوم .. وجيشت عشرات قطرات الندى ..
وفوق السحاب استعد الجميع لمعركة إيقاظ ذاك النسر..
والرعد يصرخ في تلك الغيوم الكسولة .. والبرق سوط نور يزجر في المسرعة منها .. والماء بدأ يتلألأ في صحون السماء خجلاً ووجلاً ..

ومحاجر النسر ترمق تلك المسرحية , منصتها السماء وأبطالها الماء والهواء ..
عصفت السماء ببرقها ورعدها وقطر نداها ..
وكتبت .. “بإمكانك الطيران الآن ..”

النسر للحظة نفض ما على عيونه من دموع .. وإن بقيت ينابيع بحره ميتة تحيا في كل حين ..
وأمام جلد الجلادين .. حرك النسر ذراعه بسرعة الطاحونة القديمة .. فهوت على الأرض .. ركنت الغبار .. وارتفعت قدما النسر مسافة اصبع..
المحاولة الثانية كانت كفيلة لكي يعانق النسر من زجره ..
حلّق للمرة الأولى .. في حياته – لا أدري ربما في مماته هذه القصة تحدث – وطار .. طار .. طار ..
انتقل من سماء إلى سماء .. وهو يجرب شعور امتطاء الريح .. يلجم غيمة ويهرب من أخرى ..
طار واحداً وعشرين سنة .. وقد نسي الزمان وطوى التاريخ عليه دهراً دون أن يدري ..
وحمل النسر بين جناحيه عناء عقدين .. وبكاء عشرين عام وعام .. قاد خلالها آلاف الغيمات في مئات المعارك.. وروى كل أرض جدباء ..
إلى أن أعلن قدوم الامبراطور .. القمر الحزين
قمر حزين شق صدره سحاب طويل ذو هيبة سوداء .. وتحوم حوله أسراب من النسور القانية ..
أمير الليل أعلن نفاذ نوره .. وضوؤه خلال ساعات سو يبدده ظلام الموت ..
شجرة خبيثة تحمل سماً زعافاً غرست في عينيه ..ووصلت جذورها إلى قلبه .. ولم يعد يقوى على الصمود
القمر يصارع سكرات الموت .. مالت رقبته وعرق جبينه .. لا يدري بأي وقت يسكن أنينه..
طلب القمر من ذاك النسر أن يركن إلى كهف أو بحيرة .. ويتوقف عن الطيران ..

لأن السواد سوف يملأ كل شيء .. ولن يبقى للقمر نور بعد اليوم

أيقن النسر أن هذه رحلته الأخيرة .. لكن ما شقق صدره هو أنه نسي المشي .. وقدماه لم تعودا تذكران ملمس الأرض
كان آخر لقاء من أكثر من عشرين ..
في دورته الأخيرة .. اتجه نسرنا الحزين إلى أول غيمة في سابع سماء .. غسل فيها وجهه .. ثم إلى بحيرة الحياة بكل ما اوتي من جبروت ..
حمل قليلاً من المياه بين منقاريه .. وعلى جناحيه حمل وردة ..
والقمر يلهث وقد .. روحه التصقت بصدره ..
أسرع النسر قدر استطاعته .. أراد إيصال ماء الحياة إلى صدر القمر .. يرش قليلاً منه على خبيث تلك الشجرة
ليميتها ويحيي أمير الليل ..
والبرق يجهد في صدماته الكهربائية أن يبقي قلب القمر ينبض
وضجيج الحزن فاض على سواد الليل .. الغيوم استعدت للمصيبة الكبرى .. وبدأ الجميع يبكي
وهيبة الموت أجبرت أوراق الشجر على السكون..
الجميع يبكي لأنه أيقن أن رحيل القمر آت لا محالة
لا أحد يسبح في هذا الفضاء إلا نسر يحاول محاولة يائسة في إعادة الحياة لصاحب الحياة ..
وصل النسر .. ولو أن الأمل يحاول أن يتمسك بنياط قلب القمر ..
وقف ورفرف بجناحيه على تلك الشجرة ..
مدت ذراعيها .. حاولت قبض منقاره .. وأصابت جناحه ..
النسر يتهاوى.. والدم سلسبيل..
ألقى مسرعاً ما حمل..  وماء الحياة أعمى تلك الشجرة ..
لكن سمها سرى في جسم قمر عليل..
شلت جناح النسر ..
وبدأ يتدحرج من سماء إلى أدنى ..
وشمعة القمر انطفأت ..
النسر باكي العين ودامي الجناح ..
أراد أن يقبل القمر قبلة أولى وأخيرة ..
اعتصر البرق عصرته الأخيرة…
وعصف في السماء ..

لكن النسر وقع من على سريره..

واستفاق ماهر ……

يتبع …

Advertisements

10 responses to “لو كان لي جناح ..

  1. ياله من حلم !!

    عاد بي إلى > بقايا روح <

    أظنك تعرفها جيدا …..

    لن استطيع التعليق بل سأكتفي بالتحليق بين السطور فتلك الكلمات أيقظت أحزاني و هيجت أشجاني….

    لكن لن أرحل قبل أن أقول: شكرا أيها المبدع
    دمت ودام مداد قلمك الراقي ولا حرمنا الله من جرعاتك الشافية

  2. نعم .. الآن عرفتها جيداً
    لكن سمعت أنك تمرين بوعكة صحية
    فهلا أخبرتينا بالأحول…
    وعساها تكون خيراً
    سررت جداً بكلماتك الجورية
    وآمل أن تكونين من اهل الدار

    ماسة :
    لا بأس .. ففي كل خير ..
    وانا انتظر تعليقك ايضا

  3. أيهاالماهر …
    هل مازلت مستيقظا؟؟
    أم غادرك باقي الحلم ؟؟

    في كل صباح أعود إلى هنا على أمل متابعة أحداث الحلم ولكن! أعود خائبة….

    أرجوك استمر في الكتابة وإن كنت تظن بأنها مجرد سطور عابرة …فهناك من ينتظرها بفارغ الصبر

    أتمنى أن آتي في الصباح لأكتسب جرعة جديدة من جرعاتك التي أصابتني بإدمان القراءة

    تحياتي للقلم الصادق ولصاحبه المبدع

  4. في الحقيقة أخية ..
    ماهر يفضل الحلم لأن واقعه كريه
    ويرفضه في كثير من الأحيان

    الحلم ربما انتهى رغماً عني
    والأحلام كذلك
    وكما قال الشاعر :
    إن المنام على المحب حرام ..
    لكن هذه المرة السهر ليس في انتظار حبيب

    او شوقاً إليه
    بل في التفكير بقدريات الأيام
    وبين العمل والعمل والعمل يوجد عمل
    والمسؤولية كبيرة
    وهموم الدراسة وبعض المشاكل تبعدني أحياناً عن مدونتي العزيزة
    لكن أمثالك
    بل ربما انت وحدك
    التي تعيديني رغما عني – وبكل ود – إليها

    أعدك أن اكتب عن الجوري يوماً

    أحب هذا النوع من الورد
    وزادي حبه له

    شكرا لك

  5. أحاسيس مفعمة في الفضاء…
    ربما ضاق القمر ذرعا بالزمن..وآلمه ان النبض وحده ذريعته للغد..ليست صدفه ان (خبيث الشجره)مسؤول عن موته,ان شيئا غيره لا يستطيع تحمل عبء هذا الصنيع الفظيع.

    هذا هو الابداع..

    سيفهمون نحيبك,ما عليك سوى مواصلة ذلك..ستتألم,اعرف ذلك,ماذا افعل,لا بد لي من سلب (التتمه) من قلمك الجميل:)

  6. نهى ..
    إن كان هنالك من تتمة
    فهو لأجل ما كتبت ..
    كنت عازماً على عدم إكمالها
    لكن بعدما قرأت ما قرأت ..
    سوف أعقد العزم على إكمالها
    مرورك دائما جميل 🙂

  7. كلنا وبأغلب اوقاتنا منقول :لو” بس ماعم نستفاد منها شي ورغم هيك منرجع منقولها وبكل مرة منقول انو اخر مرة بدنا نقول لو
    بس انت هون عطيتها غير معنى
    عملتها شي الو معنى مايتكرر بكل لحظة
    😦

  8. تعقيب: ليتني .. لم أتعلم السباحة .. | مدونة جرعة زائدة..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s