مسير ربع ساعة في ليلة

الاثنين : 2-8-2010
الثالثة والنصف صباحاً

انهيت عملي بساعة متأخرة من الليل  .. وخرجت من الشركة التي تبعد عن منزلي مسير ربع ساعة ..
نظرت في الأرض فرأيت أربعة ظلال لا تفارقني ..وحار بصري فنظرت في  السماء .. ورأيت الليل أقفل آخر أبوابه .. وغيب كل نجومه ..وارتدى ثوبه الأسود الداكن ..

لم أكترث ومضيت متجهاً نحو بيتي التي أصبحت أمي تدعوه ” فندقاً ” لأني لا أزوره إلا للنوم
وجفنا عيناي يتعانقان عنوة .. والعلوي قبّل السفلي على حين غرة ..
لكن خليط الماء والملح يشق  خجل تلك القبلة.. ويبعدها عن بعضها -بحياء- لكي أرى مسير أقدامي ..
أعد خطواتي وأنفاسي .. أريد الوصول والوصول لا يريدني ..
ما إن أخرج إلى أول حارة حتى أعاين العم أبو صالح , صاحب الفرن المجاور قد نام على مدخل فرنه..
اعتاد أن يفعل ذلك لأن عليه الاستيقاظ باكراً والبدء بإخراج الطحين لإعداد الخبز مع ساعات الصباح البكر..
والكد حتى آخر نفس من أنفاس الليل وهذا ديدنه كل يوم .. أشعر أن دورة حياته منتهية منذا أن دخل إلى هذا الفرن
والمفارقة أنه يبعث الحياة في بطون الجائعين ولا يدري كيف ينفخ الروح في حياته ..

وليس ببعيد عنه  أيضاً رأيت رجلاً مثخناً متعباً .. كأنه عامل أو ناطور .. ربما انتهى من عمله الآن ..
أراه كل يوم في نفس الوقت تقريباً .. وله مشية أميزه بها من بين ألف رجل .. وسعلة لا تفارقه صيفاً ولا شتاءً
كل مرة أحب أن أسلم عليه , لكن وضعية رأسه المنحنية لا تشجعني أبداً لفعل ذلك ..
تابعت المسير مبتعدا نحو بيتي .. وعند مفترق الطريق رأيت دورية المخابرات ..
استوقفوني مرة …

ومن ثم اعتادوا على مروري في ثلث الليل الآخير ..فلم يكرر استجوابي ..
واحد منهم اسمه أيمن , لطيف ومثقف وحادثته غير مرة .. يقول أنه يريد أن يقدم البكالوريا ..
وطلب مني الكتب لكني في كل مرة أنسى أن أحضرها له .. وأنا خجل من ذلك

على بعد أمتار وعلى الطريق العام .. لا أرى شخوصاً ولكن أرى سيارات السهر ربما ذاهبة وربما راجعة إلى تلك النوادي الليلة على طريق التل
وأبرز ما يميزها هو صوت المسجلات الصاخبة, والسرعة العالية التي تسير بها  , وكلمات تدل على أنها من دول النفط المجاورة
كالنسر والحصان وصور لجمل مع علم خليجي … يقولون هذا تشجيع للسياحة .. أكثر لوحاتها تدل على أنها من السعودية- والله العالم –

وعلى مقربة من مبنى البلدية في برزة البلد , يوجد نفق لا يبعد أكثر من عشرة أمتار من باب البلدية الرئيسي
لكني لم أر في هذا النفق رجلاً واحداً يسير فيه على الإطلاق  , مع علمي  بوجوده منذ أكثر من ثلاث سنوات
قلت في نفسي “متى ستنحضر لماذا لا تقطع الناس الطريق عبر النفق؟!”,
نزلت لأجربه مع أن الأمر فيه بعض المخاطرة في هذا الوقت المتأخر من الليل , وفور وصولي تبدد استغرابي من الناس, النفق مغلق بالأصفاد والحديد
وفيه روائح نتنة كافية لقتل خمسة جرذان في دقيقة واحدة بطريقة الإعدام خنقاً
خرجت مسرعاً وأريد الوصول إلى منزلي فقد مالت رقبتي, و اشتقت لوسادتي الحنونة .. تلك كانت هدية في عيد ميلادي الأخير ولي معها ذكريات جميلة ..

أمر بجانب جامع السلام وما زلت في “برزة البلد” ( إحدى ضواحي دمشق ) .. أرى شيخاً وربما قلة من رجال كبيري السن قد بدأوا يتسربون إلى الجامع ..
يدخلون من الباب الخلفي بعد قرار وزارة الأوقاف بمنع فتح أبواب الجوامع إلا قبل الصلاة بنصف ساعة ,
دورية المخابرات تعلم بوجودهم .. لكن الوضع تحت السيطرة والمراقبة مستمرة والوضع مستقر والحمد لله

وأسمع من أحد الشبابيك صوت ضحكات خفية من ناحية , ومن ناحية أخرى قرقعة الصحون والسكاكين .. ربما إحدى السيدات تجلي .. يوجد بعضهن بل أكثرهن لديهن عادات غريبة
منها الجلي في منتصف الليل ! ! !

تابعت المسير وأنا على بعد 5 دقائق من الوصول .. تمر دقيقتان كل يوم في منطقة من الطريق لا ألمح فيها أحداً ..
ومع أني لا أخشى من الظلام ولا من الجن ولا من ملحقات هذه الأمور إلا أنني أحذر عندما أقطع هذه المسافة ..
لا أخفيكم أخشى من لص أو قاطع طريق .. ومع ذلك أجهد في إبقاء أعصابي كالحديد ..

قبل أن أصل .. ألقيت السيكارة التي استعرتها من زميلي عمار في العمل حتى تذهب ريحة الدخان قبل أن أدخل المنزل..لأني غير مدخن لكن في تلك الليلة أحببت أن تسليني في ليلي هذه اللعينة الملتهبة
أنظر في الساعة .. وأبدأ أسمع بعض الذكر من الجامع المجاور أيضاً .. فقد اقترب موعد أذان الصبح ..

وبالفعل .. وصلت ..وفتحت الباب بهدوء .. رميت كل لباسي بما فيه على الكرسي في غرفة الضيوف..
ورميت نفسي على أقرب كرسي .. وأحارب نفسي لكي لا أنام جالساً..
وبينما يحين موعد الصلاة .. أحادث نفسي قليلاً فيما رأيته وأره كل يوم في الدقائق القليلة التي تمر أثناء عودتي من المنزل
أشكال وأصناف وألوان من الناس .. والليل يضم الجميع ..
أرى هذا المشهد كل يوم .. ربما قد تتغير بعض التفاصيل الصغيرة .. لكن أبطال الفلم اليومي ذاتهم ..
في الصباح يتكرر الفلم  لكن بطريقة الخطف خلفاً ( flash back ) كما علمنا إياها في الجامعة الدكتور عربي المصري
وتبدأ الحكاية من المنزل إلى العمل ..
وتلفظ القصة نفسها في الأسبوع سبع مرات وفي الشهر ثلاثين …
حتى ينفذ صبر الصبر ويمل الملل …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ cut ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جرعة زائدة :

بقصد أو بدونه .. إلا أنه لا أحد يشعر بكلماتي ..
يدوسونها متجاهلين متناسين متثاقلين .. ولا يعيرون لتجاعيدها أي اهتمام
آلاف التراتيل أرتل كل يوم ..وبكل الأنغام وبشتى الألوان وبعدة أحزان ..
وفجرت بركاني ..وقدمت قرباني .. وكنت نسياً منسياً
لا العيب فيهم .. .. لكن الدهر كتب ذلك
” أنا ومن بعدي الطوفان ” ..
هو ذا حال الجميع ..
لا أحد يتألم لأحد..
ولا أحد يموت من أجل أحد..
ولا أحد يعيش من أجل أحد..
وما كتب نزار وأحلام وغسان وغادة .. ليس إلا كلام جميل في عالم جميل

وأعـــــذب الشـــــعر , أكـــذبه ..

بقلم : ماهر المونس

Advertisements

10 responses to “مسير ربع ساعة في ليلة

  1. ما زلت أكتب قصة “شهيدة الجوري”
    لكن تعقدت الأحداث , ومازلت أبحث عن خاتمة
    ستكون قريبة إن شاء الله

  2. صحيح يا ماهر إنو الوجع ما بيوجع إلا صاحبه .. بس ما تفكر حالك وحيد بالحياة وما حدا معك .. صدق وقت الجد والعزم الله بيسر الأمور وبيبعتلك مين يوقف معك من غامض علمو ..

    حلو توصيف هالمسير .. كلماته رائعة ..

  3. رواية: خلف و شفيقة ….
    (ملحمة شعرية بين زوجين في ذكرى ليلة حب)
    ————————————–

    خلف فجأة وبدون مقدمات : ولك يا قردة شكلك ناسية انو مثل هاظ اليوم قبل سنتين كان اول مرة بشوف سنحتك وبنحب بعض, يعدمني جدوقك(خدودك) شو ناسية؟؟.

    شفيقة: والله جد.!!!ولك تفو عليك شو بحبك , بعدك متذكر يا مقلعط؟

    خلف : هووووه , هو الي بشوف هالشكل الي بيقطع الرزقة بينساه؟

    -هاهاهاهاهاهاهاها يلعن ابوك شو حكياتك حلوين وهاظ يلي معلقني فيك , تتذكر اول مرة التقينا ؟

    – هههههههه هو انا بنسى؟ ,, يوم ما حطتلك رجلي وانتي ماشية مع امك وقلبتي على بوزك؟

    – ولك الله يقطعك شو رومانسي , كيف هيك تجرأت واتخذت هاي الخطوة الجريئة؟ , جد انا بحب الشب المبادر يلي قلبو قوي

    – يالله عاد هسه بدك تكبري راسي وتظلك تمدحي فيي؟ ,, انتي كمان بزقتي علي يومها تتذكري؟ , والله ما بنسى بزقتك وهي بتتدلى على وجهي وبتنزل شوي شوي ,, يومها عنجد عرفت انك بتحبيني ..

    _…آه والله يا خلوفتي انا ما بزقت عليك الا لأني بحبك,,

    _.يا قلبي انتي

    – ههههههههههه ما بنساه ,, يلعن حرمك — لو كنت بحبك مرة صرت أحبك ألف مرة بعد هظاك اليوم , يوم ما اقترحت علي انو نتباطح والي ببطح الثاني 3 مرات هو الي بنام عالارض والفايز بنام عالتخت

    – يالله يومها شو انبسطت , بس صحيت ثاني يوم مكسره عظامي من النومه عالارض .

    – ماهو يا خلف انا بطحتك 5 مرات .

    – لا والله بس بطحتيني عالارض 4 مرات ,, آخر وحدة مش محسوبة.

    – كيف مش محسوبة بطحتك المرة الخامسة لما دعست على رقبتك ناسي؟

    -هو هووو علينا خلص مو مشكلة يا ستي بطحتيني خمس مرات ,, هسه ما تظيعي علينا الاحتفال بهاي الليلة الي ما بتتعوض

    – والله معك حق , خلص شو رأيك انا اليوم رح اخليها ليلة رومانسية بشكل ,,

    – شو رح تعملي؟

    انت ما عليك بس حظّر الشمع واشعله وسكر الظو وانا هسه باجي .

    وما ان اشتعل الشمع الا وخرجت شفيقة من المطبخ حاملة صحن كبييييييير مجدرة ,, فإنغمرت عيون خلف بالدموع فرحا , حمد ربه ووعد شفيقة بأن يبقى مخلصا لها ..

    فما كان من شفقية الا ان طلبت منه بوسه ,, فلما لفلها خده عضت أذانه فضحك هو وضحكت هي ,,

    وبقيو على الطاولة يأكلون المجدرة لأخر الليل ,, ويقال انهم الى الان بياكلو بالمجدرة..(تمت)

  4. إنو حبيت كتييييييييييييييييييير
    خصوصاً هي ما بيحسو بحدا وانا من بعدي الطوفان عنجد يمكن ما حدا عاد حس بحدا ، بس حلوة هالتمشاية باللليل والفلاش باك حسيت حالي بفيلم هي التفاصيل انا كتير بحبون بالليل والقصص الي ما بينتبه عليها غير الناس الحساسين ،التدوينة عطتني احساس كتير حلو ماهر شكرا لقلمك الدافي

  5. ثوان تمر تعبر ممرات عمري الضيقة تصطدم بدقائق باردة في ساعات حياتي المسنة فتلقي أيامي في أرض السنين المتعبة من الحزن ويدوسها قطار القدر بلا رحمة مخلفا وراءه عمري المثقل بالهموم صريعا تنزف منه دماء الألم إلى أن نزفت منه القطرة الأخيرة على سكة القطار فأوقفت عجلة القدر و رمت به من فوق جبل أحزاني إلى أعماق وادي النسيان ثم عادت إلى جسدي تلك القطرة وسارت في عروقي وأيقظت إنساني الغافي بروحي وصنعت تلك القطرة قدرا غير القدر
    قدرا متمردا على القدر
    قدري أنا كما أريده أنا كما أراه أنا
    صحيح أن الحزن فرض واجب لكنني صنعت من حزني قدري وفرضته على القدر فغيرت مجرى أقداري بإصراري فكنت أنا

  6. السلام عليكم …
    كلمات جميلة مبدعة
    من أخ مبدع صادق
    تحية عطرة أخي ماهر الذي ناسي
    كن نحن مستحيل ننسى
    اتخرجت عقبالك ومن يومين كان عيد ميلادي
    لكن مو فاضي ,,
    بدي أشكيك لأختي ريم وقلها كل عام وانت بألف ألف خير
    والجميع بألف خير
    اشتقت لكم
    سلام

  7. عندما اقرأ كلماتك ينتابني شعور غريب لااعلم ماذا اسميه او اطلق عليه …
    اعمل جاهدة لابقى ع اطلاع بماهو جديد في هذا المدونة الرائعة التي احسنت اختيار اسمها
    وفي كل مرة اقول بأنني لن اكتب اي شي هنا
    يكفيني ان اقرا بصمت كلاماتك وحروفك التي تجتاحني ..ولكن يدي سبقتي وكتبت هنا
    ارجوا ان تقبلني ضيفا خفيف ع مدونتك الرائعة التي لم استطع مغادرتها

  8. أحمد بيك : شكرا على وصفك التوصيف بالجميل .. لكن في فكرتك الأولى أخالفك بعنف … والاختلاف لا يفسد للود قضية ..

    فادي العزيييييييييز : لم أفعل شيئاً سوى الضحك وانا أقرأ كلماتك
    إن كان ذلك مرادك فقد حققته على أكمل وجه ..

    لميس الغالية : لطالما استوحيت من همساتك … ودفء سماك أكثر وأكبر
    وقت قلت فلاش باك تذكرت الدكتور عربي المصري 😛

    الحزن السرمدي :

    ثوان تمر تعبر ممرات عمري الضيقة تصطدم بدقائق باردة في ساعات حياتي المسنة فتلقي أيامي في أرض السنين المتعبة من الحزن ويدوسها قطار القدر بلا رحمة مخلفا وراءه عمري المثقل بالهموم صريعا تنزف منه دماء الألم إلى أن نزفت منه القطرة الأخيرة على سكة القطار فأوقفت عجلة القدر و رمت به من فوق جبل أحزاني إلى أعماق وادي النسيان ثم عادت إلى جسدي تلك القطرة وسارت في عروقي وأيقظت إنساني الغافي بروحي وصنعت تلك القطرة قدرا غير القدر
    قدرا متمردا على القدر
    قدري أنا كما أريده أنا كما أراه أنا
    صحيح أن الحزن فرض واجب لكنني صنعت من حزني قدري وفرضته على القدر فغيرت مجرى أقداري بإصراري فكنت أنا
    ـــــــــــــــــــــــ ….. بدون تعليق ..

    غالية :
    سلامك وصل
    والله انا مقصر معك كتير
    ما تواخذيني مشان الله
    وكلك ذوق على كلشي يا أغلى غالية

    ساندريلا:
    رأيك أطربني .. على مدار نصف ساعة ما شبعت من سماع صوتك الذي أثنى على ما كتبت
    فأزهرت مدونتي كلها بأريج ما قلت .. شكرا لك

    نهى : شكرا ملاحظتك
    أحب من ينتقد أعمالي
    لأنه يحبني ..

    مروركم شرف

  9. بكل مرة بمر ع المدونة بيخطر ببالي هي الجرعة يللي كل مابقراها بلاقي فيها شي جديد
    عم امرق بس دائما بحب اقرأها لحالي بس هالمرة حبيت اكتب اني مريت

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s