شهيدة الجوري ..

قصة قصيرة:

(( ….. وقالت الأم  لابنتها ليلى ..خذي هذه السلة إلى بيت جدتك ..  ولا تذهبي من الطريق القصير .. واسلكي الطويل .. لأني أخشى عليك من الذئب الشرير الذي يتواجد في ذاك الطريق القصير …))

على عادة ليلى , نامت على حضن جدتها التي استمرت  تحكي لها حكايات ما قبل النوم طيلة ست سنوات, فما غفت إلا وصوت آذان الحكاية في كلتي أذنيها .. يصول ويجول مع ضفائر شعرها المتطايرة ….

ليلى يتيمة الأم ومتيمة “الجوري” الذي كان اسم والدتها أيضاً, اعتادت على فراق أمها مرغمة , واقتادت نفسها إلى غرفة النسيان الجبري , تتحمل جلسات التعذيب اليومية وجلد الذات والذاكرة , وقيود آلامها أحكمت الخناق على محاجر عيونها , لا تدرك ليلها من نهارها إلا أن طبيعة حروف اسمها تجعلها تفضل الركون إلى  ظلام الليل الأليل, فالوقت أمام محياها محارب كهل مثكل منحني الظهر من كثرة السهام..

أيقنت ابنة الأعوام العشرة أنها سوف تفلت من قيود تناسيها يوماً ما , وتفجر غل حزنها , وشلال دمعها في فقدان والدتها ويقينها كان صائباً ..

وضعت الجدة أم سمير حفيدتها  في سريرها المطل على بستان الجوري المجاور .. وغطتها كما كانت تفعل أمها التي طوى رحيلها عامه السادس …

ومع أول طارق يطرق أبواب الفجر في اليوم التالي .. فتحت ليلى عيونها الذابلة من النعس والبكاء.. وغسلتهما بنظرة جود إلى بستان الجوري, ترى وجه أمها في كل زهرة مفتحة , ولا تميز بين رائحة أمها وعبق الجوري الذي يسبح تائهاً بين المقبرة والبستان ونافذة ليلى ..

استيقظت بهلع .. وكالأعمى الذي يبصبر للمرة الأولى ..توجهت مسرعة توقظ جدتها .. الصورة التي انطبعت في تلافيف دماغها .. هي تفاصيل وجه أمها جوري :

” جدتي جدتي .. أمي مرة أخرى ..  لقد جاءتني أمي في المنام .. تعانقني .. تضمني وتشمني …. تسلم عليك أيضاً,  لكن في هذه المرة طلبت مني  بناء قصر ٍ من الجوري والصعود على درجاته إلى مكان مكوثها  ….. جدتي لم أفهم  ما معنى ذلك..؟ ؟ ! “

سمعت الجدة ما قال لسان اليتيمة, وهي تحاول حبس ما خرج من الدموع الحائرة .. بين ابنتها التي خطفها الموت , وحفيدتها التي خطفتها الحياة ..وكحيرتها كان دمعها معلقاً يرجف وجلاً , لا هو يفيض ولا هو يغيض .. ثم قالت لليلى مكسورة الجناح بصوت متكسر :

تعالي يا ابنتي .. تعالي احكي لك حكاية ..

–         لكن هذا ليس وقت النوم يا جدتي ..

تعالي ابنتي .. هذه الحكاية من نوع آخر ..

لم تعي ابنة جوري ما معنى الموت .. ولم تفهم أبدا ما معنى أن روح أمها في الملكوت الأعلى إلى غير رجعة ..

لكنها رضخت لطلب جدتها حيث لا تملك خياراً آخر .. وجلست تسمع ما ستمليه عليها وظهرها انكسر من انحنائه الطويل , وخدودها أخاديد محفورة , وكذا حال يديها من كثرة الأشواك التي كانت تنزعها من الجوري احيث تصنع منه أطواقاً وتضعه على قبر أمها المجاور للنهر ..

أخذت الجدة بكلتا يدي ليلى .. وبدأت تهمس في أذنها بحذر :

سأخبرك يا عزيزتي بتأويل ما رأيت في منامك .. لكن علي بداية أن أقول لك شيئاً .. عندما كنت صغيرة يا ليلى .. كانت أمك جميلة الجميلات ..ذات علم وحلم , وسماحة وفصاحة , وكرم خلق وراحة يد ,  وكانت روحها الطيبة تملأ أنفاس كل مكان في القرية, ولمسة حنانها تفيض على كل طفل وكهل.

لكن جاء إلينا – في ذات يوم –  طارقٌ على الباب أراد روح أمك .. ونقل لنا رسالة من ربنا .. بأن الله يريد الروح التي وضعها في جسمها.. لأن تلك الروح الطيبة لم تحتمل المكوث بين الأرواح الخبيثة .. واختار لها الله مكاناً أجمل في فضاء آخر يليق بدرجتها وبأعمالها لصالحة.

فاستجابت أمك المؤمنة لأمر الله.. وقدمت روحها قرباناً  .. وهي الآن في الجنة سعيدة ومسرورة .. وتنظر إليك كل يوم … وتطمئن عليك .. وها قد زارتك اليوم لتنظر في حالك …

ثم انقطع صوت الجدة بعد أن اتصلت دموعها بشفاهها ..

لم تبكين يا جدتي ؟؟ .. هل هذا ما يسمونه موتاً؟؟

–         نعم يا بنية .. إنه الموت

ومتى ستصعد روحي إلى جوار أمي ..

–         حين يطلبك الله

ومتي يطلبني الله

–         حين يحين الوقت يا ليلى .. هيا تعالي نلعب

ومتي يحين الوقت يا جدتي .. -لا أريد أن ألعب-  أريد أن تكلميني عن أمي .. أنا أصبحت كبيرة .. وأستطيع فهم كل شيء .. أريد أن أعرف الوقت بالتحديد حتى أجهز ثيابي وألعابي .. ورسوماتي التي رسمتها لأريها لأمي ..

أريد أن أُري أمي الثناء التي منحتني إياه المعلمة وكذلك طوق الجوري الذي صنعته لأضعه في رقبتها .. ها هي يداي حمراوتان .. وكذلك عيناي .. فلتبصري يا أمي حالي بعدك ..

ضمت الجدة حفيدتها مكسورة القلب وهمست في أذنها مجدداً :

يحين الوقت عندما تصبحين مؤمنة وطيبة وتمليكن روحاً طاهرة مثل روح أمك .. . فيعطيك الله جناحين من نور تطيرين بهما إلى أمك.. وإن بقيت تسأليني  وتزعجيني .. فإن الله لن يمنحك هذين الجناحين .. لأن الله لا يحب من يزعج والديه أو جدته ..

–         ممم جدتي وماذا عنك .. لماذا لم يهبك الله هذاين الجناحين ..ولم لا تطيرين بهما إلى جوار أمي .. هل كنت تزعجين أمك أو جدتك ؟؟

مممم ليلى .. كفاك أسئلة اليوم اذهبي إلى غرفتك ونظفيها ..

ذهبت ليلى إلى غرفتها .. وبين أذنيها عشرات الأسئلة تهرول من غير تعب عن أمها وعن موتها وعن الله وعن ذاك الجناح النوراني الذي يطير بها إلى السماء .. ولم تستطع الجدة أن تـُفهم حفيدتها ما معنى رحيل الروح ..

دخلت ليلى الغرفة .. وغفت على ضجيج تلك الأسئلة ..

ثم انتبهت فجأةً .. ولا تزال بعض الملامح التي تتذكرها من وجه أمها لا تفارق جدران ذاكرتها .. .. جلست تتأمل موج الحياة المتلاطم على أنفها  ..  تارة تعاين بستان الجوري الذي زرعته أمها.. وتارة تقلب صفحات السماء وهي تفكر في الطيران بطريقة أو بأخرى..

واختفى القمر وكل النجوم .. وتنفس الصبح ولم تزل ليلى على تلك الشرفة الخرساء .. تحادث نفسها مطولاً .. إلى أن دخلت الجدة في الصباح التالي لتوقظ ليلى المستيقظة أصلاً .. لكن وجدتها متجمدة على شباك النافذة ؟؟

ما بك يا ليلى .. لماذا استيقظت باكراً؟

–         لم أنم بعد

ولماذا لم تنامي ؟؟

–         أريد جناحين ؟؟

لتطيرين بهما إلى أمك ؟

–         نعم

ممممم حسناً .. اغسلي وجهك ثم الحقي بي .. سأخبرك كيف تصنعين هذين الجناحين ..

تحيرت الجدة في أمر ليلى التي بدأت أسئلتها تزداد صعوبة وعمقاً .. ففكرت بطريقة تنسي ليلى التفكير في الموت .. وتساعدها على تعلم الأخلاق الفاضلة .. أو مخرج لقاع أسئلة ليلى المتكررة..

نزلت ليلى مسرعة وجلست في حضن جدتها منتظرة ما ستتلوه عليها …. وبعد صمت قصير .. نطقت الجدة :

لكي تطيري إلى أمك عليك أن تملكي جناحين من نور,  وليكون لديك أجنحة النور عليك صناعتهما شيئاً فشيئاً بأعمالك الصالحة, وهذا الأمر لا يقدر عليه أحد إلا الله .. الله نور السموات والأرض , والله خالق كل شي وعلى كل شيء قدير  الله هو الذي خلقنا وهو القادر على أخذنا إلى مكان الفردوس الأعلى … عليك بالفضائل , وأن تبتعدي عن الرذائل , وأن تدخلي المدرسة , وأن تطيعي جدتك , وأن تنظفي أسنانك .. وترتبي غرفتك .. وحين ترى أمك ما تفعلينه من أمور طيبة .. سوف تطلب من الله.. والله يستجيب للأرواح الطيبة .. وبذلك يصبح لديك جناحي نور تحلقين بهما إلى عالم الملكوت .. و مع كل عمل صالح ينمو جناحك شيئاً فشيئاً.

لذا يا ليلى .. كلما أردت الوصول إلى أمك بسرعة أكبر , كلما ترتب عليك المضي في سكة الخير بسرعة أكبر , والأمر بيدك وعداد الوقت أنت من تديرينه دقاته؟

لم تتحرك محاجر عيون ليلى .. بقيت ساكنة للحظات , تم توجهت لغرفتها بسرعة البرق, لكن دون أي رعد .. بل كان هدوءً يسبق عاصفة.

أيقنت الجدة صعوبة الموقف وأحبت أن تبقى ليلى مع نفسها علها ترتاح من عناء حزن سنين ,

أما تلك اليتيمة , فتسلقت شرفتها ونظرت للسماء ..

فكرت وفكرت وفكرت .. وأقنعت نفسها بما نسج خيال جدتها رغم أنه كان عصي الفهم على عقل تلك البراءة.

ومرت الأيام مر السحاب , وليلى زادت على عمرها ثلاث سنين, لم تترك فيها عملاً من أعمال الخير إلا وكانت السباقة إلى فعله , لعلها تحظى بحبل وصال مع والدتها عبر جناح النور .. كل يوم تنظر إلى يديها فلا ترى شيئاً..

تبث شكواها لأمها , فلا مجيب إلا أمواج من صدى الصمت الميت..

ظنت ليلى أنها مقصرة في أعمال الخير فضاعفت جهدها , وجعلت نفسها في خدمة ملجأ الأيتام , ولا تفارق معبد القرية بين صلاة ودعاء , وكل يوم تعاين جناحي النور فلا ترى شيئاً , وكأن ما قالته جدتها كان نسياً منسياً ..

نزعت ثوبها , وحدثت نفسها لعل الجناح ينمو من الظهر , ولكن النتيجة كانت واحدة .. لا أجنحة ! !

ما كان بيدي ليلى ألا ورقة أمل وحيدة , بقيت ترسم عليها كل أحلامها بماء عيونها للقاء الحبيبة جوري.

لكن أنّى لرسم الرمل أن يدوم .. وموج البحر لا ينقطع ! !

وقشة الأمل التي كانت متمسكة بها قسمت ظهرها وهي تنتظر سراباً ..

وعلى هذا الحال مرت سنيّها الثلاث بعد العشرة ..

إلى أن جاء ذاك اليوم , فقد حان حينها ليسكت أنينها ..

لبست ليلى أبهى ثيابها , وجعلت كل ما فيها أحمراً , تعطرت .. ووضعت طوقاً من الجوري حول رقبتها وحملت آخر إلى قبر أمها ..

وأخبرت جدتها بأن ذاهبة إلى زيارتها اليومية حيث بيت أحزانها بجانب النهر..

اعتادت ليلى أن  تذهب مع أولى ثمار الفجر وتعود مع نضوج شمس النهار …

لكن في هذا اليوم ليلى لم ترجع ..

اقتربت الشمس من خدرها , وليلى لم ترجع بعد ..

ظنت الجدة أن مكروها ً حل بحفيدتها فسارعت إلى جانب النهر حيث ترقد جوري

ومن بعيد سمعت صوت أنفاس ليلى المتعبة فاطمأنت روحها  وبقيت تراقب ما يدور في مسرح المكان .. ومسرح الزمان يصرع نفسه ..

أطالت ليلى النجوى , وبدأت تتصعد زفراتها , فعاجلت الجدة الماء على وجه ليلى المشقق ..

وهي تسمع ..

جدتي ها هي سحب وعودك قد وفت , وها هي أمطار عيوني تروي جناحي النور ..

انظريها كيف تنمو أوراقها على ذراعي ..

وها انا ذا أطير إلى أمي ..

لم تطل ليلى الكلام .. وخمد صوتها ببطء ..

تجمعت أصابعها .. ثم انفردت بهدوء ..

فرشت ذراعيها …

وفتحت أجنحتها ..

وأغمضت عيونها ..

طال حنينها ..

عَرِق جبينها ..

وسكن أنينها ..

مالت رقبتها ..

ومددت قدميها ..

وأسبلت يديها ..

وطارت إلى أمها .. جوري ..



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جرعة زائدة:

فتحت ليلى عينيها بعد أن غفت لدقيقتين .. وسمعت ما تبقى من الحكاية التي بدأت بسماعها وهي على حضن جدتها التي كانت تقول :

(( .. وأخرج الصياد جدة ليلى من بطن الذئب .. ومات الذئب الشرير .. وعاشت ليلى وجدتها بسعادة وهناء .. وتوتة توتة خلصت الحتوتة .. ))

جرعة زائد:

بإمكانك أن تنهي القصة دون إتمام الكلمات التي تحت الصورة , وبإمكانك إتمامها كما يحلو لك ..

بقلم : ماهر المونس.

لمشاهدة الصورة بحجمها الحقيقي الرجاء الضغط هنا


مواضيع ذات صلة :

لقاء في هارفرد …لم يتم

ميثاق شرف مع الشتاء..



Advertisements

13 responses to “شهيدة الجوري ..

  1. لطالما أحببت أن نكمل القصة كما نريد، والنظر إلى الأمور بطريقة مختلفة ، و بما نو أنا جوري فشكرا على الفقرة التالية :
    سأخبرك يا عزيزتي بتأويل ما رأيت في منامك .. لكن علي بداية أن أقول لك شيئاً .. عندما كنت صغيرة يا ليلى .. كانت أمك جميلة الجميلات ..ذات علم وحلم , وسماحة وفصاحة , وكرم خلق وراحة يد , وكانت روحها الطيبة تملأ أنفاس كل مكان في القرية, ولمسة حنانها تفيض على كل طفل وكهل.

    يلي هي عم تحكي عني تماما، شكرا لهذه الرؤية المختلفة صديقي العزيز ، وسأكمل القصة كما أريد

  2. ألم تسرد علي يوما حكاية ليلى التي أكلها الذئب…وصرخت فى وجهك معترضة:لا .. ليلى لم يأكلها الذئب !!
    ألم تحدثني يوما عن سندريللا التى رفضت الزواج من الامير وصرخت بك متسائلة: ماهر … لماذا تغير نهايات الحكايات؟

    فأخبرتني باكيا : كي لايقتلنا الاحساس…اننا الحكاية الفاشلة الوحيدة على الارض

  3. مع كل مرة أقرؤك فيها يزداد شغفي للمزيد .. تأخذني كلماتك رغما عني من حزن يلفني إلى عوالم أخرى .. لتعيدني بإحساس صاخب .. يبدو أنك تبرع في الحكايات .. و يبدو أن لقلمك تلك القدرة على أن يمس جوانب خفية في الروح .. ماهر شكرا لروعة قلمك ..

  4. أخي المبدع لقد رسمت بأقلامك الملونة:

    حروف دافئة شكلت:
    كلمات رائعة شكلت:
    جمل باكية شكلت:
    قصة لا متناهية شكلت:

    شوق كبير لقرائة المزيد من ابداعاتك أخي الكريم

    سلمت الأنامل التي خطت هذا الابداع

    • لا دفء أكثر من الإيمان بمقدر الله عز وجل .. ربما بحرفي أستطيع أن أكتب وأنسج ما أشاء , لكن الله وحده هو الذي يفعل ما يشاء …
      مرورك الثاني كان لطيفاً أيضا ً .. أنتظر مرورك الثالث ..
      وكوثي على ثقة دائما بمقدرة الله عزو وجل 🙂

      تحية

  5. لشدة خوفنا من مجاهيل الحياة نحاول أحيانا‏”‏
    أن ننئى عن خيوط ‏ الخيال ونتمسك بحبال الواقع
    خوفا من صدمة قد تهدم أحلاما‏”ننسجها ليلة بعد ‏‏”
    ليلة في ثنايا الروح….
    أخي ماهر إبداع أجمل من الإبداع وخيال أروع من
    الخيال…دمت ودام إبداعك وإيمانك بقدر الله..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s