ميثاق شرف مع الشتاء..

ميثاق شرف مع الشتاء..

سافر شتاء آخر, وانتهت معه مسرحية أخرى من مسرحياتي القصيرة.. مع “أنثى” لا أدري ما هو رقمها في سجلي العاطفي, فما أكثر اللواتي تصدّين لدور البطولة ومثلن شخصية ساندريلا في قصصي الخرافية..

لا أذكر أنني وقعت عقداً مع فصل الشتاء, لكنه ما زال ملتزماً تماماً بميثاق سنوي ينص على منحي زهرة إقحوان مع قدومه, ومع رحيله يخطفها مني ..

وللمفارقة أن فصل الشتاء في بلادنا نحيل هزيل لا يدوم إلا بضعة أيام,  وشتاء هذا العام  “كما كل عام” كان الأقسى.. وكأنه يتعلم  كل من سابقه ويزيد عليه ..

فقد كانت حصيلة هذا الموسم خطف باقة أزهار كاملة, بعد أن جعلني أسكر على رائحة الإقحوان الممزوج بالمطر .. المطر الذي أدين له بالحرف الأول من الحكاية .. ومع المطر وتحت المطر كان يا مكان..

اسمها الحركي ” ليلى”, و(ليلى وسلمى ونجوى) أسماءٌ أعشقها لسر كهنوتي في نفسي ولا مجال لتفاصيل أكثر.

الجميع يعلم أنني أهوى ” ليلى” , ولا أحد يدري من هي ” ليلى”.. جهدتُ أن أبقي أمرها سرّاً لأن التجارب السابقة علمتني أن الناس من يفسدون عليّ لحظاتي الجميلة ..

لم أكن أخشاها أبداً .. وكنت أحبُّ ” حبها ” لي .. الذي كان يبدو حديدياً , وأحياناً جنونياً..

كانت عيناها السماء .. وأنثى سحقت بأقدامها كل النساء ..

أما ظلها فقد كنت أميزه من بين ألف ظل .. وفي جسمها تضاريس لا أنسَ شكلها.. وفي يديها برودة اللبن.. وعلى شفتيها تذوب عناقيد العنب المخمّر.. وفي شعرها عبق ألف سنة من العنبر .. وفي عينيها حكاية البحر من العصر الجليدي.. حتى رائحة عرقها كنت أهواها..

هي ذا حال المحب الذي يعمى فلا يبصر ولا يسمع ولا يشم إلا طيباً من عند الحبيب..

سيكارتي ليلى.. أشعلت كل حروفي .. فأصبحت شاعراً في ليلة ليلاء .. وتحولتُ لنبع من الكلمات يفيض كلما تعانقت الشفاه.. فماذا أفعل وقد أصبح عطرها جزءاً من دورتي الدموية ينتاب قلبي كل نصف دقيقة  !

وتستمر الحكاية ..

فـ ليلى في سيناريو ساندريلا جاءت على الموعد, وحين دقت الساعة اثنتي عشر دقة في منتصف الليل هرولت بعيداً خارج القصر قبل أن تفلت من تعويذة السحر ويلتف الملك إلى وجهها .. نعم ونسيت حذاءها عمداً على الدرج ..

لكن الزمن خانني هذه مرة فـ ساندريلتي ضاعت بين السطور فجأة, وتأخر ميعاد عودتها ..لم ترجع للقائي مرة أخرى كما هو مفترض وفق الأسطورة.. وكما تروي لنا الحكاية ..

لا أدري أين هي الآن .. وبأي صفحة من صفحات الرواية غرقت أو تاهت ..

أجهل تماماً لماذا فشل السحر في إكمال الحكاية .. وكل ما أدريه أنني وضعت المقادير بأقدارها ..

عاد الأمير حزيناّ كئيباً (كما تقول الحكاية المعدلة) .. عاين زهراتٍ  تكفنت بالأبيض تهزّ بخصرها وعنقها ..

لا أدري أترجف من البرد أم ترقص من الوجد ! !

وكأن السحر أخطأ طريقه فحلّ في أرواح النباتات ..

ساندريلا منذ خمسة آلاف عام تأتي في حكايات الجدّات وتدعُ حذائها في يد الأمير لكي يجدها مرة أخرى ..

لكن ” ساندريلا ” بعد اليوم تغيرت ..

فالحذاء في يد الأمير لم يعد مناسباً لمقاس قدمها .. والأمير سيرجع الليلة وحيداً دون فراشة يضاجعها حتى الصباح ..

و ساندريلا غيرت اسمها وصار اسمها ليلى ..

أنا لا أغازل, لا أعاتب, لا أطالب ..

فقط أدون جزءاًَ من تاريخ حياتي بشيفرة خاصة موقن أنني سأنسى مفاتيحها بعد حين لتبقى مذكراتي مجرد ألغاز مفاتيح أقفالها بيد أبطالها ..

وألا أترك مشاعري تسيطر عليّ لا يعني أبداً أنه ليس لديّ مشاعر, والشوق لا يستدل عليه بالصراخ بل بالصمت ..

نعم .. لا أريد الإفراط بجرعتي الزائدة فهي صفحة من قافلة صفحاتي المسبية ..

لكنها ما أثقلها من سطور حوتها هذه الصفحة.. لا أودّ تمزيقها .. وقلب هذه الصفحة يكوي قلبي ..

أحياناً ” كما اليوم ” يجافيني القلم فأراه يحتضر على الورق وتخرج روحه بحروف مفككة تبتعد عن نفسها عنوةً وتجهد ألا تشكل الكلمات ..

أحياناً تصبح مشاعري غريبة الأطوار ..فكلما أزدادُ حبا ً .. أزدادُ كرهاً للحب ..

لكنه عهدٌ علي أن أوقع هذا الميثاق مع الشتاء .. بعد اليوم .. لا نساء ..

جرعة زائدة :

أعذب الكلمات أكذبها

وضرورة الشعر تستوجب مني اختلاق روايات وابتداع كلمات قد لا تمت للواقع بصلة.

 

ماهر المونس

 

 

وأيضاً ..

شهيدة الجوري ..
لقاء في هارفرد …لم يتم
عقدة مدينة الملاهي..
Advertisements

14 responses to “ميثاق شرف مع الشتاء..

  1. عنجد هي أجمل تدوينة أدبية كتبها شاب حتى الآن .. بجد هي أجمل تدوينة بقرأها إلك عزيزي ماهر ..

    مبدع بكلماتك وتصويرك ، بالحقيقة أدهشتني ..

    كلمة تحت السطر بالفعل أعذب الكلمات أكذبها 😛

  2. عودة قوية لماهر إلى القلم… تدوينة جميلة جداً.. فيها الكثير من الإحساس المحمل ضمن جمل مسبوكة بشكل مبدع…
    رائع ماهر كالعادة.

  3. كنت اعلم بأن عودتك لن تكون نسمة تحط دون ان يكون لها وقع في النفس
    كنت اعلم بأن عودتك ستكون قوية ليس لك فقط بل لنا ايضا
    ولكن وبكل صراحة لم اكن اتوفع ان تكون ع هذا النحو

    ” ساندريلا ” بطلة قصة عرفناها وتمنينا ان نكون مكانها وان تكون النهاية سعيدة بعد رحلة شاقة امتزجت بكل مايحمل الحزن الاسى من معاني
    ولكن للاسف ماكل مايتمنى المرء يدركه 😦

    من الطبيعي ان تتأخر سندريلا عن موعدها كمان يتأخر المطر عن الشتاء

    ……….:(

    • لا أدري ما سر هذه العلاقة بين حروفي وبين أبطال الروايات ..
      لقد مررت أنت من قبل على ” ليلى والذئب ” وتركت حروفك هناك …
      وها أنت مع لقاء جديد مع ساندريلا ….
      كنت قد بدأت بـ نجوى ..
      لكن لا أدري كيف أخذني القلم نحو الشتاء ..
      آمل ألا أكون قد خيبت ظنك
      وأعجبتك النهاية

      دمت ..

  4. “أحياناً تصبح مشاعري غريبة الأطوار ..فكلما أزدادُ حبا ً .. أزدادُ كرهاً للحب ..” .. جملة وقفت عندها كثيرا .. ماهر أقف بصمت مدهوش أمام روعة كلماتك .. ربما كان لها اليوم أثر من نوع خاص .. فقد وجدت نفسي عبر الكثير منها لتأتي فيروز و تلك الأغنية التي لطالما استوقفتني بصمت صاخب حزين .. ما أقساه من شتاء حين يمزقنا برد الرحيل فيه .. ولكن من رحم الألم تولد كلمات كتلك .. لنقرأها بألم و إعجاب .. كلمة أخيرة أود قولها .. كن على ثقة أنها يوما ما ستأتي لتبقى .. أمنياتي لك بمزيد من الألق..

    • بشرفني .. ويزيدني .. ويدفعني .. ويحملني مسؤولية ..
      كلماتك تجعلني للحظة أفخر بنفسي .. لكن سرعان ما أنكفئ عليها لاستمر بمزيد من صقل الحروف ..
      طيفك جديد في مدونتي .. وأرى روحاً تحوم بين حروفي
      اهلا وسهلا بك أينما حللت ..

      ماهر

  5. هكذا هي الحياة.لا تأتينا الأقدار وفق مشيئة قلوبنا..ليس البعد هو خاتمة المطاف ..تأكد أن جعبة الحياة مليئة بالهدايا

    • لدي دافع كبير لـ ” نجوى ” جديدة ..
      أعدك بها أيضاً ..
      لكن اعذريني ..
      وأسألك أن تمهليني قليلاً من الأيام ..
      لعلّ التخرج يأكل من وقتي الكثير ..
      شكرا لمرورد الدائم ..
      أعدك بواحدة

  6. مشكلتك ياماهر أنك مابتعرف تكذب
    بتخبي وجك ورا اصبعك وبتفكر مافي حدا شايفك

    أنا على ثقة بإنك انت عم تكتب هي التدوينة سقيت حروف الكيبورد بدمعاتك

    ماهر
    الصادق الوفي ممكن يكذب ليكمل قصيدة
    بس بالحياة مستحيل

    تحية ود ياماهر

    • مممممم يمكن كلامك صحيح .. لأ لأ أكيد أكيد ..
      هي التدوينة بالفعل أثرت فيي كتير …
      ((الصادق الوفي ممكن يكذب ليكمل قصيدة))
      كتير حلوة هي الجملة
      وانا لسه عند وعدي مشان القصيدة
      بس مشان الله ما تواخذيني
      تأخري لعذر إن شاء الله

      تحية ود أيضاً

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s