هل تكذب الصورة ؟ ( بحث إعلامي مبسط )

جاء في امتحان مادة الإعلام النامي التي تعطى في كلية الإعلام- جامعة دمشق لطلاب السنة الرابعة : سؤالاً مفتوحاً عن أي موضوع له صلة بالإعلام و بالمجتمع , تضعه أنت ثم تجيب عنه ,  اخترت هذا الموضوع وأحببت أن أشارككم به..



يقول عالم التربية الأمريكي (جيروم برونو) المشهور بدراسته عن التفكير ووسائل الاتصال:

 “إن 90 % من مدخلاتنا الحسية هي مدخلات بصرية, والمقابل فإن التلفزيون هو أكثر وسائل الإعلام شيوعاً في التعبير البصري.”

ناقش هذا القول مبيناً دور الصورة التلفزيونية في صناعة الواقع الاجتماعي وتزويده بالمعلومات , ومجيباً عن تساؤل:

هل ما يقدمه التلفزيون من صور متحركة أو ثابتة هي الواقع حقاً ؟

مستشهداً بالأدلة والأمثلة.

  • مقدمة:

تعد الصور أفضل من الكلمات في عمليات الدعاية والإعلان وإيصال المعلومات والأفكار…, فلم تعد الصورة بألف كلمة كما كان يقوم المثل الصيني القديم, بل ربما أصبحت بملايين الكلمات, فلا ننسى أحداثاً قريبة مثل هجوم الطائرات على برجي التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمر 2001 , وصور سقوط تمثال صدام حسين في  قلب بغداد وصورة قتل الطفل محمد الدرة , أو من الصور المعاصرة: الصورة التي قيل أنها صورة أسامة بن لادن بعد قتله , أو صورة ميدان التحرير في مصر لحظة تنحي حسني مبارك أو صورة البوعزيزي الذي أحرق نفسه وغيرها من الصور التي فاق تأثيرها في الوعي البشري ملايين الكلمات.

  • أهمية صناعة الصورة :

لقد جعلت أجهزة الكومبيوتر من إنتاج الصور وتوزيعها أمراً ممكنا وسهلاً , يصعب معه تصديقها بهذه السهولة, خاصة بعد عملية التزاوج والاندماج بين التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة والتي أصبح بإمكاننا من خلالها صناعة أي صورة من أي مكان وأي زمان بسهولة, والمشكلة أن الصورة تنقل كما تريدها وسائل الإعلام أن تظهر بها , لا كما حدثت هي فعلاً .. فكيف لنا أن نعرف حقيقة ما يعرض داخل هذا المستطيل الذي يسمى التلفزيون من عدمها؟

  •  صلب الموضوع :

يكاد لا يخلو أي خبر يعرض على القنوات الفضائية من صورة , بل ربما يعد الخبر ضعيفاً إذا احتوى صورة واحدة فقط , وتزداد قوة الخبر ومصداقيته كل ما زادت الصور المرفقة معه, وعندما أقول صورة أعني صور ثابتة (فوتوغرافية) وصور متحركة (فيديو), ولكن أحياناً تكون هذه الصور حقيقية ويبنى عليها قصة كاذبة , وأحياناً تكون الصور كاذبة ويبنى عليها قصة كاذبة ,  أو يكون وضعها في سياق معين يؤدي لمعنى مغاير للمعنى الحقيقي وهنا سأذكر عدة نقاط :

–     أولاً :  وضع الصورة في سياق:

يقول ياكوبسون صاحب نظرية تجاور الصور : (تكتسب الصور معانيها بتجاورها وباختلاف سياقها)

فقد تصنع قصة كاذبة بناء على صورة حقيقية , وليس بالضرورة دائما أن نستنتج أن الصورة كاذبة لكي نكذب القصة, وذلك عن طريق وضع الصورة الحقيقية في سياق معين لتعطي معنى كاذب, وتتالي الصور بطريقة معينة قد يجعلها تعطي معنى معين أيضاً , وسنضرب مثالين لحدث واحد:

ألقى الرئيس السوري في 30 آذار 2011 خطاباً يعلق فيه على الاحتجاجات التي انطلقت من درعا والأزمة التي تمر بها سورية, وبعد انتهائه من خطابه في مجلس الشعب وأثناء قيادته سيارته, ظهرت صورة تبدو فيها امرأة تقترب من السيارة وبيدها شيء ما لم يظهر بشكل واضح , ويظهر في الصورة التفاف رجال الأمن حولها وتطويقها ومن ثم يقطع التلفزيون الرسمي البث.

ما فعلته قناة السي إن إن الأمريكية, عرضت خبر احتجاجات في سورية لتعرض بعده صور لتظاهرات عديدة في أماكن متفرقة من سورية وتعرض بعدها خبر خطاب الرئيس السوري ومن ثم صورة السيدة التي اقتربت من سيارة الرئيس الأسد وتعلق تحتها , (محاولة اغتيال للأسد بعد خطابه في مجلس الشعب), مدعية أن ما كان بيد السيدة هو أداة حادة لقتله, وأن التلفزيون الرسمي قطع البث لتدارك الموقف.

ما فعله الإعلام الرسمي : عرض خبر خطاب الرئيس ثم عرض صور لجموع مؤيده له تحمل صوره كانت حول البرلمان, ومن ثم عرض صورة السيدة التي اقتربت من السيارة وعلق تحتها أن الرئيس السوري يستجيب لمطالب شعبه بشكل مباشر مدعية أن ما كان بيد السيدة هو ورقة فيها طلب, وأن التلفزيون أوقف البث لعطل فني.

الصورة واحدة لكنها وضعت في سياقين مختلفين لتعطي معنى أخر.

 وكل يوم يعرض علينا عشرات الصور بعشرات السياقات لتعطي معاني تتناسب وسياسة كل محطة تلفزيونية.

–       ثانياً:     الصورة تصنع من الصفر:

عام 1969 ظهر شريط فيديو على القنوات الفضائية في كل العالم يعرض فيه قدم رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ تطأ أرض  القمر,  والعلم الأمريكي يرفرف هناك ويعلو فوق بقية أعلام دول العالم بما فيها الاتحاد السوفييتي آنذاك الذي سبق الجميع بإرساله أول رجل إلى الفضاء..هذه الصور أحدثت ضجة في العالم وسجلت نقطة لصالح الأمريكيين على حساب الروس في ميدان الفضاء, وصنعت حدثاً وإنجازاً يسجل باسم أبناء العم سام, ولكن قبل سنوات فجر وكالة الأنباء ناسا فضيحة كذب هذه الصور والتي تبين أنها مثلت في استوديوهات هوليوود بعد أن ظهر في الصور حركة العلم الأمريكي يرفرف والجميع يعلم أنه لا هواء على سطح القمر , ناهيك عن حركة الظل دون وجود أشعة شمس واختفاء النجوم في الفيديو رغم وجود ملايين النجوم في الفضاء , وسهولة حركة رواد الفضاء الذين ظهروا دون أن يتأثروا بانعدام الجاذبية ….ألخ

هذه الصورة انطلت حيلتها على ملايين الناس ولعشرات السنوات قبل أربعين عاماً, واليوم بعد كل التطور التقني والتكنولوجي الحاصل والذي يسخر لصناعة الصورة ,  ربما يعرض علينا عشرات ومئات الصور دون أن ندري أنها مصنوعة في مكان ما.

ثالثاً : الصورة تصنع خبراً أو حداثأ:

ربما جميعنا سمع بخبر مقتل أسامة بن لادن بعملية استخباراتية عسكرية أمريكية , والجميع رأى صورته المشوهة والتي تنزف منها الدماء, واحتفل الأمريكيون في شوارع نيويورك وواشنطن لساعات متأخرة من الليل بعد أن شاهدوا هذه الصورة معتقدين أنهم انتصروا على الإرهاب, لكن فاجأتنا بعد ساعات وكالة الأنباء الفرنسية بخبر فبركة هذه الصورة فقد عرضت صورة مطابقة لابن لادن وهو على قيد الحياة وادعت أن وزارة الدفاع الأمريكية قامت بعملية جراحية على الصورة الأصلية لتصنع معها صورة جديدة وتدعي أمام العالم أن بن لادن قتل.

 

ربما يعرض علينا كل يوم عشرات الصور التي تعرضت للعمليات الجراحية دون أن ندري !

رابعاً : الصورة تشوّه :


هذه الصورة من “صنع” صحيفة الإهرام المصرية التي تلاعبت في صورة تضم الرئيس حسني مبارك حتى يبدو كأنه في مقدمة عدد من الزعماء الذين التقوا في الولايات المتحدة قبل أشهر وفي هذا دلال نفسية كبيرة أن يتقدم مبارك الزعماء الباقين
.
وحسب موقع الbbc كانت الصورة الأصلية التي التقطت في البيت الأبيض عندما اعلن عن عودة المفاوضات المباشرة تظهر الرئيس الأمريكي باراك اوباما في المقدمة وخلفه كل من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو ثم ملك الأردن عبد الله الثاني والرئيس مبارك.
يبدو مبارك خلف اوباما في الصورة الاصلية
لكن الصورة المعدلة التي نشرتها الأهرام في صفحتها السادسة يوم الثلاثاء أظهرت مبارك في المقدمة وخلفه بقية الزعماء وكان عنوانها “الطريق إلى شرم الشيخ”، في إشارة إلى الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة التي انطلقت في المنتجع المصري الواقع على البحر الأحمر.

باختصار : صحيفة الإهرام قامت بـ”عملية جراحية” على الصورة “لتظهر أن مبارك يقود والأخرين وراءه”.
لكن الأهرام استبدلت تلك الصورة المعدلة بصورة أخرى للرئيس مبارك وهو جالس بين عباس ونتنياهو في منتجع شرم الشيخ، ولم يصدر تعليق من الصحيفة حول هذه القضية.

هذه الصورة تم ضبطها صدفة .. واكتشف سرها .. ولكن يعرض علينا يومياً عشرات الصور التي ربما تكون مزيفة أو مشوهة أو مصنوعة أيضاً ..

  • برأيي:

 أننا في عصرنا الراهن نعيش حرباً إعلامية طاحنة بين إعلام الظلمة الحالكة المتمثل بالإعلام الرسمي وإعلام النور المبهر المتمثل بالإعلام الخارجي والخاص, فالأول يقوم على التعتيم والثاني يقوم على التضخيم, والصورة تستخدم كوسيلة لغاية هذا الإعلام أو ذاك , لذا لابد من رؤية الصورة من أكثر من جانب , أو من أكبر عدد من الجوانب الممكنة, ربما يكون هذا الأمر مرهقاً لأنه يستدعي متابعة عدد من القنوات الإخبارية , لكنها الطريقة الوحيدة للوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعلومات والحقيقة خاصة مع فضائيات ” لا تقول عن زيتها عكر “.

ومع ذلك أرى أن يتحول كل متلقي إلى ديكارت ويشك بكل ما يراه على مبدأ , كل ما أراه كاذباً حتى يثبت العكس.

  • خاتمة :

الطبيب قد يخطئ فيقتل فرداً, والإعلامي قد يخطئ فيقتل شعباً ,  فالإعلام سلاح كالبندقية , من لا يجيد استعماله فسوف يؤذيه. والصورة من أهم مكونات الإعلام المعاصر , وقد جاء في ميثاق العمل الإعلامي أن من الوظائف المجتمعية لوسائل الإعلام مراقبة البيئة الاجتماعية وتزويدها بالمعلومات والتنبيه بالمخاطر.

لذا ينبغي النظر إلى المؤسسة الإعلامية كمؤسسة أخلاقية لأن الإعلام في النهاية هو صناعة لكن له أخلاقيات , فينبغي التعامل مع الصور بحرفية ومهنية وأخلاقية وصدق من ناحية القائم بالاتصال والمؤسسات الإعلامية, وأما من ناحية المتلقي والجمهور فينبغي التعامل معها بالشك والتحليل والتركيب والعين الناقدة قبل تصديقها لكي نصل لأقرب نقطة من الحقيقة والموضوعية, وتبقى الموضوعية مفهوم مطلق أكثر منه واقع مطبق.

ماهر المونس

22/6/2011

مواضيع ذات صلة :

صفحة الوفيّات .. أصدق الصفحات ! !

المقابلة الصحفية , من الألف للياء..

بعد أن انتقل من الجزيرة , وهدد العربية بالاستقالة, حافظ الميرازي يعلمني درساً : الإعلامي سيد ننفسه

جرعة زائدة على الفيسبوك

http://www.facebook.com/mahermon.wordpress

 

Advertisements

5 responses to “هل تكذب الصورة ؟ ( بحث إعلامي مبسط )

    • هههههههه ملعوبة ,
      ليك مو شوفة حال , بس عنجد ورقتي مالها بحاجة لأنو علمها , مجاوب على كل الأسئلة بطريقة كاملة وبكرا بذكرك بعلامتي بهي المادة , 😉

  1. استمتعت بالتدوينة , فأسلوبها هادئ و ممتع
    لكن في النهاية , لم نحصل على الحل القطعي لمشكلة كذب الجميع ……
    فنحن – أو لنقل معظمنا – فعليا ً نشّك بالصورة , و لكن هذا يبقينا في متاهات !
    أضف إلى هذا أننا بتنويع القنوات الاخبارية , تتنوع الشكوك في أذهاننا
    ——
    مختصر الكلام :
    عندي خبر ما , هؤلاء يكذبونه , و هؤلاء يضخمونه …. فأين الحقيقة ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s