عداد حياة…. بقلم رهام كوسا.

بأصابعها الطرية تجعل البيضة المسلوقة لقماً، تملحها، تضعها في فمه كطفل صغير. أربع وعشرون سنة وكل صباح هو الفطور ذاته، مع الأصابع ذاتها. هي اعتادت ذلك ايضاً، لا تعتبره دلالا مفرطاَ، بل واجباً زوجياً من بين عشرات أخرى تبتلع نهارها يومياَ.

 

لا يتكلمان كثيراً، ربما هي العشرة الطويلة من يفقد الكلام جدواه، هي ذات السبب لهدوء حياتي أمضياه معاً في تلك الشقة الدافئة. تكفي بعض الكلمات لإيصال الفكرة، أما الإحساس فقد تخلى عن الأصوات منذ زمن. منذ أن أنجبا “أحمد” ابنهما الأول.

تضع كأس الشاي أمامه، تنتظر جواباً. ليس دوره في العمل، على “أحمد” أن يتولى سيارة الأجرة اليوم، لكن يبدو أن أباه أشفق عليه بعد ليلة دراسية طويلة، وبرد قارس لم تنجح أغطيتهم البالية في محاربته.

لن تقنع زوجها بإيقاظ أحمد، نعم هو حبيبها منذ ربع قرن، لكنه مهما غلا لن يكون كوحيدها. تبتسم بامتنان شاكرة عطفه الأبوي.

تتناول سترته الجلدية من الخزانة، بينما يسرح شعره الرمادي القصير. ” بالسلامة.” تودعه وتغلق الباب بهدوء شديد.

 

أمام زوجته الثانية، يقف أبو أحمد متجمداً، منتظراً شعاعاً دافئاً يحرك مفاصله البالية. يشغل السيارة، يدفئها، اعتاد أن يكلمها كل صباح، لم تفعل عشرة ثلاثين عاماً معها، كما فعلت مع زوجته الأولى.

 

يحاول استجماع طاقته، أو تذكر الأماكن التي استيقظت في هذه الساعة، من يوم الجمعة ذاك. ليست كثيرة على أي حال، لكنه سيبدأ جولته اليومية بين شوارع العاصمة.

 

طرق وأرصفة حفظ مساراتها، رتبت أسماءها وتحويلاتها كما يحب، أو كما أقنع نفسه أن يحب. من ساحة العباسيين إلى الزبلطاني، لا زبون، يشغل المذياع ليؤنس وحدته، هو أنسها منذ زمن، لكنه ملها أيضاً. فيروز، أخبار بائتة، لاشيء يستحق أن يتعب حاسة أخرى، ترك أذنيه ليعودا للنوم تحت القبعة الصوفية البيضاء.

 

عند إشارة المجتهد يوقفه زبون، يركب بصمت نعس، يتأكد أن العداد يعمل، بصباح الخير يبدآن الحديث:

 

–         ” الجو بارد، أليس كذلك؟”

–         ” نعم، البيوت أدفأ.”

–         ” من قال هذا؟ من أين سياتي الدفء والمازوت مفقود، أتصدق يا رجل، ثماني ساعات البارحة أمام طابور المازوت، ولم أستطع التسجيل على قسائم. عندما وصل دوري.. لأكن صادقا معك، قبل أن يأتي دوري بأربعة رجال، انتهى الدوام الرسمي. ألم يستطع ذلك الموظف التافه أن يمشينا؟ لن أذهب الأسبوع القادم. أصلا الكل يقول أن تلك القسائم لن تصرف، هي حبر على ورق، إن حصل أي تغيير، لن تنفع تلك الوصولات أبدا. لن أعود. نعم. لن أعود.”

–         ” لكن أتعلم، هناك من صرفها، جاري أبو خالد، ملأ خزانه البارحة.. لا أتوقع..”

–         ” يا عم.. لابد أن أموره مدبرة، مستحيل…”

–         ” لكن..”

–         ” أتعلم تلك المحسوبيات كانت السبب الأساسي لذلك الاحتجاج الشعبي، هم يحاولون إصلاح الأمور الآن، لكن بعد كل هذا الفساد، لن يستطيعوا.”

–         ” ربما استشرى الفساد، لكن مع القوانين التي صدرت مؤخراً، أشياء كثيرة ستتغير..”

–         ” ياعم.. مازلت تتكلم عن قوانين وإصلاحات.. حتى إن طبقت حقا.. لا نريدها. منهم لا نريدها.. أتدري؟ أنزلني هنا لو سمحت.. تبدو أنك من طرفهم.. أنزلني هنا أنزلني.”

تتوقف السيارة الصفراء عند موقف باب مصلى. لم تسر كثيراً، لم يسجل العداد إلا ست عشرة ليرة، رمى الراكب الغاضب بخمس وعشرين في حضن أبو أحمد، صفق الباب مردداً كلمات لم يرغب أبو أحمد أن يسمعها. يعود للراديو، بما أن أذنيه قد أوقظتا قسراً.

 

كيوم جمعة عادي، لا أثر للأزمة المروية اليومية، وحتى إشارة الجمارك لا يحتاج أن يتوقف عندها إلا مرة واحدة. قبل أن تمضي خمس دقائق لوحده، يشاركه زبون آخر السيارة، محاولاً ألا يفتح حديثا معه، يومئ له أن يضع حزام الأمان، يثبته. عيناه لا تفارقان الساعة على معصمه  أو على شاشة هاتفه، ينظر أبو أحمد له لاستفهام سبب قلقه، يتذكر أنه لا يريد أن يبدأ أي إشارة قد تحرض لبدء حديث، لكن الراكب ذو السترة الخضراء ينتهز فرصة اهتمام السائق به، يجيب على سؤال لم يطرح:

 

–         ” نعم. أنا على عجلة. يجب أن ألا أتأخر، خاصة اليوم.”

–         ” ماذا تعمل حضرتك؟”

–         ” كنت أعمل موظفا في مؤسسة الإسكان، لكنني أيام الجمع أتطوع في فرق حفظ النظام، تعلم المخربون، وحريتهم الدموية، لا بد أن تضبط بشكل أو بآخر، بيدنا نحن أبناء الوطن. لايمكن أن نسمح لهم بتدميره. أليس كذلك. ”

–         ” نعم. لكن..لكن ليست كل المظاهرات تخريبية، هناك من يخرج سلمياً، يطالبون..؟”

–         ” سلميا، تخريبياً، بماذا يطالبون، لا يهمني حقاً، المهم أن يتوقف ذلك الشغب. ماذا يريدون؟ ماهي حريتهم المطلوبة، ألا تكفي عشرة أشهر من الاضطرابات اليومية. ياعمي تعبنا.. دون أن ندري ماذا يريدون..تعبنا.”

–         ” حماك الله، لكن هم يريدون أن..”

–         ” لا يريدون إلا التخريب.. صدقني.. بت أعرفهم جيداً.. تخريب وشغب بصوت عال لا أكثر..”

–         “لا أظن ذلك.. هناك من..”

–         ” لا تظن؟؟ أتدافع عنهم الآن.. توقعت أنك إنسان مثقف واع، وتدافع عنهم.. أنزلني هنا لو سمحت.. لقد وصلت.. تفضل.. احتفظ بالباقي.. يريدون إذن..وأنت تريد معهم أليس كذلك..أنزلني أنزلني هنا.”

 

لا يدري أبو أحمد ما الذي قاله، أمن المعقول أنه أخطأ.  لم يحاول أن يدافع، هو ليس مهتماً بأي طرف على أي حال. يراجع المحادثتين المتناقضتين تماماً، يردد ما قاله لهما بصوت عال، يريد أن يتأكد أنه لم يخطئ مع اي منهما. يقنع نفسه أن الراكب الثاني لم يحفظ رقم السيارة، يأخذ قراراً أن لن يخرج من قلب المدينة اليوم.

 

مع صوت فيروز يكلم أبو أحمد نفسه، يتذكر عناوين الأخبار التي تابعها قبل أن يغادر المنزل، لم يعد يتذكر أيها قد صدق، التناقض الغريب بين ما تنشره المحطتان قد أربكه تماماً، لكنه لم يقتنع بكلام أي منهما لوحدها، لا بد أن يسمع الطرفين حتى يكون صورة، ليست صورة في الواقع، بل أطياف صور. في الآونة الأخيرة قلص جرعاته الإخبارية إلى اثنتين في اليوم، وفي مذياع سيارته حرص ألا يترك لأي خبر أن يتسرب إلى أذنيه، مع أول عنوان لنشرة إذاعية، يغير المحطة لأخرى.

 

يأخذ قرارا حاسماً أن لن يتكلم اليوم، حتى إن كلمه الزبون، لن يرد عليه، سيتجاهله تماماً. حديثاه الأخيران يحركان فضوله لأن يسمع الأخبار، أحس أن شيئا فاته. يبحث بين المحطات عن نشرة. أغان، أبراج، إهداءات تافهة، لكن لا أخبار. يتناسى الموضوع، يضع شريط قرآن عله يريح رأسه، إنه يوم جمعة والكتاب الكريم هو ما يجب أن يسمع.

 

أمام إشارة من خمس وسبعين ثانية، يشعل لفافة اليوم الأولى، منذ أشهر يحاول الاقلاع عن التدخين، لم ينجح حتى الآن، لكن عدد سجائره قل كثيراً، يقرر أنه سيعود إلى المنزل بعد الزبون القادم، ليس صباحاً جيداً. سيدع أحمد ينوب عنه بعد الظهر. ينظر لأرقام الإشارة التنازلية، لا يحبذ تلك التقنية، كغيرها مما دخل حياته قسراً. لا شرطي على الإشارة، والشارع فارغ، يقطع الإشارة مستغنيا عن الزبون الأخير.

 

سيعود إلى المنزل. لكن سيشتري الفول من هنا، فطور الجمعة يجب ألا يتغير حتى لو اختلفت روح ذلك اليوم، يريح أحمد من واجب آخر اليوم، لا بد أنه قد استيقظ وبدأ نوبته الصباحية مع ذلك الكتاب الأخضر السقيم.

 

مستغينا عن الزبون الأخير، عن ما تبقى من حياته أيضاً. يترك السيارة الصفراء مفتوحة ليشتري الوجبة الصباحية لتلك الجمعة. مع خمس وعشرين غيره يكمل الطبق البشري لشيطان لم يشبع الدم حتى الآن. أيقن أن روحه قد فارقت جسده، لكنه لم يعلم لماذا. فصوت الإنفجار قد أصم اذنيه النائمتين إلى الأبد

 

بقلم: رهام الكوسا.

 

مواضيع ذات صلة:

أمنيات خجولة على بوابة وطن..

سألت أصدقائي .. ما هو ((الوطن)) ؟؟ فكانت إجاباتهم الرائعة..

 

 

 

 

جرعة زائدة على الفيسبوك ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s