أشلاء طفولة في الذاكرة، ثقوب سوداء لا تملأها الشموس‏..

وضع رأسه بين فخذيه, وشبك يديه بعنف… تخبأ في ظل زاوية, وأخمد صوته وقمع عبراته..
كانت أصابع مازن الصغيرة تداعب كفه المشقق المدمى.. لكنه أصر على أن يحمل سريره بنفسه… سريره هو عبارة عن مجموعة من البطانيات… وشفاهه تسيل.. تلهث للنوم من كثرة التعب..
كان الظلام في تلك الغرفة خانقاً… والرطوبة تأكل الجدران بشراهة وبدأ يشعر بالاختناق..


انبطح على الأرض وتكور فوق وسادته..لم تكن أضلاعه الهشة لتتحمل لكنه كما يقال: مجبر مازن لا بطل..
يمارس طقسه اليومي في البكاء… يبكي حتى ترتوي وسادته الحجرية التي ستزهر ربما يوماً ما ملحاً أسوداً..
يصحو في اليوم التالي.. يتناسى كل عذابات الليلة الفائتة..ويبدأ يومه بكذبة اسمها أمل….

يوما بعد يوم كانت تلك الأسئلة تكبر في رأسه، أصبح يحس بأن أنفاسه تضيق في صدره , فلا مكان له في هذا السجن الكبير ..
كان دائما يسأل نفسه هل يقتل تلك النملة لأنها سرقت بعض فتات الخبز من أرض المطبخ !
كان دائما يبحث عن ذلك الدفء المكنون في صدر الآخرين , لذلك كان يسارع لعناق وسادته ومنديله وغطائه المهترئ ..
كان دائما ينام على بطنه ويمسح دمعه بكم قميصه المتسخ , ثم يبتسم وهو يتحايل على ألمه , ليشعل الأمل في نفسه ..

في مساء اليوم التالي..
ابتسامة صغيرة تعلو شفاه مازن وهو يضع آخر مكعب ليكتمل كوخه الملون, لم يكن يملك الكثير من المكعبات فاكتفى بصنع شكل مربع يشبه كوخا صغيرا كان قد رسمه في مخيلته ليختبئ بداخله من كل شيء يكرهه .. فقد بدا بالنسبة له الملجأ الوحيد..
زحف على يديه وحشر نفسه داخل ذلك الكوخ، لم يكن المكان واسعا للغاية فبقي قفاه في الخارج لكنه سعيد بالرغم من ضيق المكان فأحلامه كلها قد تحققت بالجلوس هنا…

كانت تلك هي سياسة الإرادة وقتل سيطرة الشهوة التي علمها إياها والده .. لذا كان دوما يقول : لا شكرا لست جائعاً.. لا شكراً لست بحاجة.. لا شكراً لدي بما فيه الكفاية .. لا شكراً .. معي بس أنا مابدي اشتري ..
مع الوقت روض نفسه أن لا يلقي بالاً لهذه الأشياء فنفسه لم تعد تطلبها …
ومع مرور الوقت , صارع نفسه ..
ومع مرور الوقت صرعها ..

وما زال الحديث لـ مازن ….

مواضيع ذو صلة:

بذرة المشمش..

 عقدة مدينة الملاهي..

جرعة زائدة على الفيسبوك ..

Advertisements

2 responses to “أشلاء طفولة في الذاكرة، ثقوب سوداء لا تملأها الشموس‏..

  1. مررتُ من هنا لأذكِّر .. أن العالم مليء ب “مازن” ، الالاف منه و ربما أكثر …
    لكن ما أعرفه أن الأمل لم يكن يوما كذبة … فلولا الأمل ما كان مازن .. و ما كنا نحن لنبقى.. فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل ..
    تقبل مروري ..

  2. كلما وجدت لدي رغبة بالبكاء أدخل مدونتك لاأدري ماسر تلك الدموع المختبئة بين سطورك حتى في حكاياك المفرحة … حقاً…..لاأدري
    ربما هي لغتك أبجديتك الخاصة حروف تستقر في الوجدان …أعتقد ذلك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s