موعد… في البُعد الثالث

موعد… في البُعد الثالث

أحسّ بحرقة حلقه عندما ابتلع لعابه، متعرّق بعض الشيء.. ثقل بين عينيه، رأسه ملتوي قليلاً.. ربما أعراض زكام صيف..

تتعثر الصدف بالزمن، فتمنعنا من اللقاء

المنبّه خانه مرةً أخرى.. لم يكترثْ، فتحَ عينيه وكانت الساعة الثامنة، أي قبل الموعد بساعتين، ما زال هناك متسعٌ من الوقت، لكن شوقه يومها كان كومة واحدة تتدحرج في قلبه.. شوقٌ لا يملأه إلا عناقها.. ربما يسمونه أحياناً (شوق الفاقد).. وكان ضجيجٌ بينه وبين نفسه يحدّثه أنه حان الوقت ليخبرها بحبّه..
وبقدر ما كان متشوقاً للقاء بقدر ما كان متوجّساً منه..
أسرع في تحضير نفسه.. قميص أزرق كانت تفضّله، ذقن ناعمة –على غير عادته- شعر ممشط رواه بقليل من الماء، وأخيراً عطره وقلمه ودفتره وحلقة معدنية صغيرة يلهو بها…. جهّز تفاصيله التي كانت تحبّها وانطلق مسرعاً إلى ساحة السبع بحرات قرب الصيدلية المركزية، هنالك قرر الاجتماع بها ثم الذهاب إلى أحد مطاعم الشعلان..

وصل تمام التاسعة والنصف، ومازال أمامه ثلاثين دقيقة انتظار، وكم كان يكره انتظارها… أشبه بالجلوس في قاعة الامتحان بانتظار ورقة الأسئلة !
شعر بميل للإقياء، لكنه عاند نفسه فليس وقته..


صار يدور في الساحة ويقلب إذاعات الراديو في أذنيه ويحضّر الجمل التي ينوي أن يقولها لـ “مريم” اليوم.. ويكرّرها حتى يحفظها دون تلبّك أو تردّد.. لقد عزم قول شيء ما..
ظلّ يبدّد الوقت إلى أن سهى وتجاوزت الساعة العاشرة والربع..
لم تأتِ مريم بعد.. ظنّ أنه تأخيرها المعتاد، فأخرج هاتفه ليتصل بها.. لكن الصدف السيئة تأتي تباعاً، فالبطارية كانت ضعيفة والهاتف انطفأ..

أصرّ على الانتظار فلا بدّ أن تأتي مهما تأخرتْ، هكذا ظنّ “غسان”.. لكن الساعة تجاوزت الحادي عشرة، وبدأت نفسه تحدّثه بالعودة أدراجه.. لعلّ أمراً طارئاً حال بينها وبينه، ولعلّها تتصل به لتعتذر لكن هاتفه مغلق…

عاد غسان منكفئاً إلى المنزل، وأسرع في وضع البطارية على الشاحن ليتصل بها…
بحث عنها في القائمة… كان قد سمّاها “الحبيبة”… لم يجد اسمها..
تفقد كل القائمة اسماً اسماً.. لم يجد لها أثراً..
عادت نفسه تحدثه لعلّ “مكروهاً حلّ بهاتفه فأزال رقمها” وعندها شتم هاتفه المجنون، ولعن ذاكرته التي لا تحفظ الأرقام..

هدّأ غسان من روع نفسه، وخطر له أن يرسل لها برسالة عبر حسابها على الفيس بوك..
بحث عن اسمها لكنه أيضاً لم يجدها.. لم يعلم غسان ما سر هذه اللعنة التي حلت عليه اليوم، وعادت نفسه لتهدئه وتقول له: “لعلّها أوقفت حسابها لذات الأمر الذي جعلها تتخلف عن موعد السبع بحرات..”

اتصل بصديقتها المقربة.. ريما..

–         ريما كيفك.. شفتيلي مريم؟ وينها مسكرة حسابها عالفيسبوك ورقمها طاير من عندي معلش تعطيني رقمها؟

–         أهلاً غسان… مين مريم ما عرفتا؟ أي مريم منهن؟

–         لك شبك ولوووو مريم مريم ما غيرها مريم ديب رفيقتنا بالجامعة..

–         غسان شبك عزيزي.. صاير معك شي؟ ليش هيك عم تحكي بسرعة وصوتك عالي.. لتكون مخربط.. أنا ما عندي رفيقة اسما مريم.. ما بعرف ليك بس تروق رجاع حاكيني…

بدأ غسان يلهث حيرةً.. وانزعج من ريما لأنها أنكرت معرفتها بصديقة عمرها.. لم يكن لديه مزيداً من الصبر كي يفكر في ريما ولماذا ادعت أنها لا تعرف مريم..

قرر أن يعيد المحاولة مع أحد آخر واتصل بـ حسام زميلها في العمل، لعلّه يعرف شيئاً ما عن مريم..

–         حسام مريم عندكن شي بالمكتب؟ اجت عاليوم عالشغل؟

–         مممم المدام مريم مسافرة مع الأستاذ من أسبوع.. خير شو بدك فيها؟

–         لك لأ لأ مو مديرة الموارد البشرية، مريم ديب أمينة المكتبة..

–         مممم مريم ديب! مم ما عرفتا مين مريم ديب؟ أمينة المكتبة اسمها هالة وصرلها 5 سنين… لتكون نسيان أو مخربط.. ما عنا حدا اسمو مريم غير المدام..

بدأ غسان يبكي مثل الأطفال لكن بدون صوت..تضاعف شوقه بشكل غزير.. وصار همّه الوصول إلى صوت أو صورة أو رائحة مريم بأي ثمن.. بأي طريقة.. بأي درب أو وسيلة.. كأنها اختفت أو ذابت وكانت نسياً منسياً…..

كرر محاولاته في الاتصال بصديقاتها وأصدقائها.. لكنهم جميعاً كانوا يصدموه ويقولوا له “إنهم لا يعرفون أحداً بهذا الاسم…”

شعر غسان للحظة أن ذاكرته مثقوبة أو دماغه اهترأ أو روحه تهذو.. وإلا فلماذا لا يوجد في هذا العالم مريم إلا في رأسه وقلبه؟؟؟

“مريم كاتبة لديها عدة قصائد شعرية منشورة على الانترنت..” هذا ما تذكره غسان أخيراً عنها.. وكانت محاولته الأخيرة في إيجاد مريم على محركات البحث.. لكنها اللعنة ذاتها مجدداً..

لم تظهر نتائج وكل ما هنالك سأله غوغل.. “هل تقصد مريم نور؟” “هل تقصد مريم العذراء؟” “هل تقصد المجدلية؟”……الخ

هرع غسان إلى دفاتره، هناك حيث خطّت مريم عشرات الرسائل والذكريات…

قلّبها جميعها…. لكن بصمات مريم اختفت كلها…

نعم تذكّر، على الحائط صورة لهما كانت تلك هدية من مريم…

لكن الحائط خالي إلا لوحة الكوخ العتيقة..

فتح إيميله، صندوقه الوارد على الفيس بوك، رسائل هاتفه… مريم لم يعد لها أثر ولا ذكر ولا حتى ظل…

اقتربت الشمس من الغروب.. ويومه الأحمق ما زال خالياً من مريم…

نعته أصدقاؤه بالغبي، وقال عنه زملاؤه أنه مريض نفسي.. وأمّه خشيت عليه من انهيار عصبي، وإخوته ظنوه قد تعرّض لصدمة عاطفية جعلت عنده ردة الفعل هذه..

لكنه لم يكترث لأي منهم وأصرّ أن مريم موجودة وأنه كتب لها أربعين قصيدة شعر ونثر في مكان ما لم يجده… قبّلها إحدى وعشرين مرة.. وعانقها ونسج من شعرها كلمات… ما زال يتذكر كل التفاصيل بينهما.. ورائحة مريم تثمر مع كل شهيق وزفير..

أكد بكل حواسه وقواه العقلية والقلبية أن لديه أكثر من مئتي صورة مع مريم، وأنه بالأمس فقط كان قد كلّمها وواعدها…

كان يقول للجميع أنها ستتصل وسترون أن مريم موجودة.. كانت ثقته بمريم كبيرة حتى اليقين..

ظلّ الهاتف بيده والجميع حوله مستغربٌ من تصرفاته الغير طبيعية، إلى أن غافله التعب وغفى على أحد الكراسي وما زال بقميصه الأزرق وثياب الصباح…

.

.

.

يرنّ الهاتف… يفتح عينيه بسرعة.. يجد نفسه في السرير.. بثياب النوم.. والساعة تشير لـ العاشرة والربع..

 يردّ.. من المتصل؟؟؟
غسان حبيبي كيفك؟ .. أنا مريم شبك؟ ليش تأخرت صرلي نص ساعة ناطرتك !

مريم! مين مريم؟؟؟؟
>
.
.
.
.
.
.
.

جرعة زائدة:

تتعثر الصدفة مع الزمن، فتمنعنا من اللقاء…
وحده الحب يجعلنا نكذب كلّ من حولنا، وننصت – رغم كل الضجيج- لهمس الحب في قلوبنا…

ماهر إحسان المونس.

الجمعة 16 آذار 2012

مواضيع ذات صلة:

هل أنت نجمة..؟

لقاء في هارفرد …لم يتم

شهيدة الجوري ..

جرعة زائدة على الفيسبوك ..

Advertisements

3 responses to “موعد… في البُعد الثالث

  1. ما أجمل هذه القصة عندما تكون حقيقية ….فهي تعبر عن أقوى أنواع الحب
    دائما عندما نتعلق بأشخاص يكونون لنا الدنيا ……نخشى فقدانهم حتى ولو بالحلم

  2. كثيرة هي اللحظات التي نعيشها في البعد الثالث ذاك العالم الذي نلجأ إليه باللاشعور عندما نفتقد للحظة حقيقة هناك حيث ننشد الصدق…..
    ويختلف تماماً عن عالمنا هنا / …..فهنا نعيش مقولة …….أجمل مايحصل لنا لانعثر عليه بل نتعثر به

    مررت من هنا …..

    سأسمي نفسي زينب مارأيك؟؟ أعتقد أنك ستكون ماهراً حالاً

  3. بارك الله بالمبدعين وبالأقلام الخلاّقة … بالتوفيق ونحو المزيد والمزيد من التميز والإبداع …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s