“الغريب” / ألبير كامو… مع جرعة زائدة..

روايتي الأول..
لطالما كرهت قراءة الروايات، ولطالما أمضيت ساعات وأنا أعدّ كم تبقى من صفحات الرواية كي تنتهي، كأنها واجبٌ مدرسي أو مقررٌ جامعي ليس بيني وبين أوراقه أية مودة..

كنت أعتبر قراءة الروايات مضيعةً للوقت وتفاصيلها الزائدة كانت تقتلني، كنت أكره شرح الكتـّاب لكل جزء من زمان ومكان الرواية، لدرجة يشعرني كاتبها بأنني غبي لا أعرف أن السماء زرقاء، وأن الشمس حارة ! وفي الصباح يصيح الديك!
أيضاً.. أكره أسماء الشخصيات وأبطال الروايات، غالباً ما كانت أسماء لاتينية صعبة.. أمرّ فوقها دون أن أتلفظ بحروفها..

رواية الغريب / ألبير كامو

رغم كل جفائي لمصطلح “رواية”، إلا أن الملل يقودك أحياناً لفعل أشياء تكرهها، لذا قررت أخيراً أن أقرأ رواية كاملة للمرة الأولى في حياتي بعد إلحاح وإصرار وتشجيع عدد من زملاء الجامعة والعمل.. فكل الروايات السابقة التي بدأت بهنّ لم ينته أيّ منهنّ حتى الآن..

استعرت رواية  “الغريب” لـ ألبير كامو من صديقتي في العمل يارا، ووعدت ديما – صديقتي الأخرى- أن أنهيها في يوم واحد.. كـ نوع من الضغط على نفسي لإكمالها حتى النهاية
150 صفحة كان حجماً مقبولاً لأختبر صبري فيه..

وفاة أمه..

  • في مكان ما من سواحل الجزائر العاصمة، في زمان ما بأوائل سنوات القرن الماضي.. رجلٌ اسمه “مارسو” وسأطلق عليه نفس اللقب الذي أطلقه على نفسه..
    “الغريب”.. هذا الرجل الذي يشبه الكثيرين، أو على الأقل هو يشبه نفسي..
    غير مكترث ولا مبال ولا مهتم.. هذه الصفات الأولى الذي تتلقفها عنه فور مقابلته..
    ثيابه توحي بأنه شخص متعب، لكنه مع ذلك يجهد في أن يكون مرتباً.. وغالباً لا ينجح، ظاهره يكسوه الشقاء الذي تبدد تحت عينيه، وفي شعره على صغر سنّه، إضافة إلى لحيته التي أطلقها لأن لا يرغب في حلاقتها كل يوم.. يكتفي بتشذيبها كل عشرة أيام..
  • توفيت والدته التي ترقد في مأوى العجزة منذ سنوات، وتبعد عنه مسير يوم كامل في الحافلة..
    تلقّاه خبراً مثل أي خبر يطالعه على قناة تلفزيونية، ربما هول الصدمة أثر على مجاري دموعه فكواها بدل أن يفجرها..
    غصّت روحه وقرّر أن يبكيها بدموع كبيرة فور وصوله لجثمانها، وسافر إلى مأوى البؤس ذاك حيث كانت تعيش والدته التي أُرغمت على اللجوء إليه بعد أن اصطكت الحياة بجيوب “الغريب” فلم يعد يستطيع تحمل نفقات الدواء والطعام، وعمله المضني يجبره على الابتعاد عنها أياماً متتالية لذا كان قراره أن تسكن هذا الملجأ، بعد أن أخذ موافقتها.
  • لحظة وصوله إلى بيت العجزة، سرعان ما انتابته مشاعر غريبة، أحاسيس جلد الذات، والعتاب واللوم لنفسه القاسية، والتلذذ بتعليق دموعه بين جفنيه، لا هي تعود وتغيض، ولا هو يحررها ويتركها تفيض..
    أقفل عينيه، ومنعهما من البكاء، كما منعهما من مشاهدة جثمان والدته للمرة الأخيرة!
    رفض إلقاء نظرة الوداع على الجسم المسجّى دون حراك.. رغم كل محاولات الممرضات والمسؤولين عن الدار
    (ربما شعر أنه لا يستحق هذه النظرة، ربما هابه منظر عينيّ أمه المغمضتين.. لا أدري حقيقة فعلته لكن لي تصرفات مشابهة بعض الأحيان.. تلك التصرفات اللامنطقية التي يلجأ إليها كثير منا دون مبرر، تلك الأفعال التي تؤلم الروح والجسد على السواء..).
  • تدفن أمه بهدوء، وتوارى الثرى وهو بعيد عن تراب دفنها يدخن سيكاراً ويشرب القهوة وما زال إصراره على ألا يراها ولا يبكيها..
  • ثم يرجع “الغريب” إلى مقرّ عمله بعد انتهاء مراسم العزاء، ويعود لمكتبه وأوراقه وعفونته وسماجة مديره في العمل، لم تكن عطلة الأيام الثلاثة التي أخذها ليقوم بواجب العزاء إلا رداءً جديداً يضفي عليه مزيداً من الغموض والحزن غير المبرر…
  • استمر في حياته كأن شيئاً لم يكن حيث بعده عن أمه في الفترة الماضية جعله يعتبرها في عداد الموتى منذ سنوات، ولم يخسر شيئاً في فقدانها سوى قليلاً من الأمل المتلاشي عنده أصلاً..

ماري..

  • أحد أصدقاء “الغريب” يقرر أن يدعوه إلى مزرعة خاصة في الريف، لعلّ ذلك يكون فيه السلوى والنسيان لما حلّ به من مصاب..
    “الغريب” وافق على الفور فهو الآخر يشعر بالملل والضجر وقرر أن تكون عطلة نهاية الأسبوع في تلك المزرعة الخاصة..
  • وبصدفة قدرية ربما، وربما بمشيئة إلهية يلتقي “الغريب” بالأميرة ماري ابنة صاحب المزرعة.. هي أميرة في مملكته على الأقل، وواقعاً هي فتاة جميلة تنحدر من عائلة ثرية.
    يزعم أنه أحبها مذ رآها، وهي تبادله نفس المزاعم.. ويزيد ادعاءً ويقول إنها دخلت قلبه خلسة واستحوذت على الشريان الأبهر تحديداً، وصمامُ حياته الآن بيدها..
    لكنه واقعاً هو أعجب بصلابة ثدييها، وثقل نهديها اللذين برزا قليلاً من تحت قميصها الأزرق الرقيق.. وواقعاً أيضاً هي تعمّدت فتح أزرار القميص الخمسة الأولى، كانت تحاول جهدها استثارته وإيقاعه في شباك حبها لسبب غير واضح.. ربما كانت عاهرة ووجدت في “الغريب” رقماً يستحق التوقف عنده.. مع أنها لا تبدو عليها علامات العهر أبداً..
  • لم يكن “الغريب” مصارعاً قوياً لمفاتن ماري، فقد هوى بالضربة القاضية من النظرة الأولى وضاجعها في نفس اليوم، وخلال يومي عطلة نهاية الأسبوع اللذين قضاهما في تلك المزرعة، لم يترك فرصة إلا وذاق بها طعم شفتيها.. ولم تكن ماري لتمانع أو تعارض أبداً بل كانت السبّاقة في التهام شفته السفلى وهي التي بادرت إلى ترطيب لسانه حين قال لها أن الجو حار ويريد أن يشرب قليلاً من الماء.
  • وبين مديره “الغبي” وفتاته الجميلة كان “الغريب” يكمل تفاصيل حياته اليومية مع زميله في السكن ويشهد يومياً شجار جاره العجوز مع كلبه النتن، دون أن يعير اهتماماً كبيراً لما يدور حوله، ودون سابق إنذار قد يشعر “الغريب” بلحظة سكون اتجاههم جميعاً فلا يبالِ بأي منهم، لدرجة أن مرة سألته حبيبته ماري بعد عناق ساخن (( هل تحبني؟)) ، وكانت تنوي أن تنقض على صدره بعد أن يجيبها بالإيجاب، لكنه ببساطة قال لها (( إن سؤالك ليس له قيمة ! )).
  • وتتجدّد فصول لامبالاته اللامتناهية حين يعرض عليه مديره في العمل السفر إلى باريس ليكون مسؤولاً عن أحد المشاريع هناك، لكنه لم يتوانى عن رفض العرض معللاً ذلك أنه ليس من الأشخاص الذين يحبون تغيير نمط حياتهم وقال إن باريس مدينة قذرة ! ومليئة بالحمام والساحات السوداء وقشر البيض !
    كان “الغريب” دائما يختار الحل الأسهل وليس الأفضل، وأثناء عرض المدير، كان يفكر في ماري وراودته نفسه “أن شعرة في جسد ماري تساوي عنده الدنيا وما فيها”، لكنه أخيراً وافق على السفر شرط أن ترافقه حبيبته الفاتنة، ولم تكن ماري لتمانع أن تكمل بقية عمرها في عاصمة الجمال باريس.
  • قبيل سفرهما بأيام قرر “الغريب” وماري أن يقضيا عطلة نهاية الأسبوع على أحد شواطئ الجزائر تلبية لدعوة صديق آخر لهما، وكانت فرصة جديدة – حسب نزوة “الغريب”- أن يرى فيها ماري بثياب البحر مجدداً، وكانت مناسبة جيدة لماري كي تعانقه تحت الماء، وعلى الرمل، وفوق الفراش، وتكمل ما لم تستطع فعله في المضاجعات السابقة.
    كانت ماري جريئة، وتحبه لدرجة أنها كانت دائما هي المبادرة في تقبيله وفي نزع ثيابه وتمرير يدها بين قدميه، وطلب ممارسة الحب معه مرات ومرات..
    وفي ذاك اليوم قررت أيضاً أن تزيد جرعة جرأتها وتطلب منه الزواج في الكنيسة، وهو كعادته “المقرفة” أجابها فقط بأنه “لا يمانع..!”

جريمة القتل..

  • في نفس ذلك اليوم الملتهب بحرارة الشمس، أمضى ما أمضاه مع ماري، ثم تمشى قليلاً مع صديقه صاحب الضيافة والدعوة، إلى أن التقيا بمجموعة من العرب الجزائريين الذين كانوا على عداوة قديمة مع صديق “الغريب”، وبدوا أنهم يريدون شجاراً وبالفعل دارت معركة قصيرة بالأيدي والعصي، لكن الكثرة غلبت الشجاعة ما أدى لإصابة الغريب وصديقه بجراح طفيفة في الرأس والظهر واليدين..
  • أراد صديق “الغريب” أن ينتقم لنفسه وكان بحوزته مسدساً، لكن “الغريب” سارع إلى أخذه منه لكي لا يرتكب صديقه جريمة في لحظة غضب، وأظهر الغريب في هذا الموقف حكمة وبُعد نظر، وبقي المسدس بحوزته حتى بعد الظهر.. وهدأ الشجار وكلّ ذهب في طريقه..
  • كانت الشمس قد مالت قليلاً لكنها مع ذلك كانت تفتك بكل من يمر تحتها، وكان العرق يتصبب من جبين “الغريب” الذي كان يسير وحده على الشاطئ يقلب صفحات أفكاره…
    لكن القدر الأحمق جعله يتعثر مجدداً بمشاهدة ذاك العربيّ الذي ضرب صديقه، وهذه المرة كان وحده  وبحوزته سكيناً كان قد أخرجها لإخافة الغريب ومنعه من الاقتراب أكثر..
  • لم يكن الغريب ينوي على شر، وفي هذه اللحظة لم يدرك تماماً ما كان يجري، كانت الشمس قد أصابته بشيء من الضجر وألم الرأس وفقدان التوازن.. وحين لمعت السكين على أشعة الشمس الحمراء، أخرج مسدسه كردة فعل أو ربما للإخافة أيضاً..

لكن شيء ما في جسمه أو عقله دفعه لوضع إصبعه على الزناد وتفريغ 5 طلقات في جسد ذاك العربي، فأرداه قتيلاً في الحال.

  • زُجَ “الغريب” في السجن ريثما ينتهي التحقيق في قضيته التي استمرت أشهراً..
    في هذه الأثناء أصبحت السجن بيته الأليف، وزنزانته المنفردة حوت كل تفاصيله الجديدة على صغرها..
    كل أمنياته في السجن تلخصت في أن يكون جذع شجرة يابسة يراقب ما ترسمه السماء، وبين الحين والحين كان يتذكر أمه وهي تقول له: ((الأمر ينتهي بالإنسان إلى التعود على كل شيء)).
    أمضى شهور السجن الأولى في رسم نسائه اللواتي عاشرهنّ على قلتهنّ، وجعل على الجدار المقابلة رسمة كبيرة لماري بثديين عاريين..
  • أكثر ما زعجه في السجن هو كثرة النوم إذا كان يمضي 16 ساعة كي يقتل أكبر عدد ممكن من الوقت، وكان في منفردة لا نساء فيها ولا دخان ولا يشاركه وحدته إلا مجموعة كبيرة من الذكريات التي حاول أن يدونها على الجدران كي لا ينساها.. وبين الحين والآخر تمر أمه نسمة خفيفة يتذكرها ويصرّ ألا يبكيها.. وبين النسمة والنسمة تمر ماري ويتذكر جسدها الصلب ورائحتها التي لا تفارق شفتيه..
  • وهكذا مضت أيام شهوره الستة ويتواتر النور والظلام دون أن يبقى لأسماء الأيام معنى في حياة الغريب..
  • لم يوكّل الغريب محامٍ وأبدى رغبته في الدفاع عن نفسه، في ظنّ منه أن الحق كفيل أن ينتصر لوحده، لكن المحكمة أصرت على توكيل محام له صار يتردد عليه، ويحاول معرفة التفاصيل التي قد تساعد في تخفيف حكمه قدر الإمكان، وكان الغريب –بلا سبب- يشعر بالأمل بشكل غريب، وأن قضيته ستنتصر وسيخرج براءةً ! رغم اعترافه أنه أطلق النار على العربي لكنه لم يكن بكامل قواه وكانت الشمس قد أخذت مأخذها من سيطرته على نفسه..
  • تردد عليه المحامي أكثر من عشر مرات قبل جلسة المحاكمة، وطمأنه وقال له أنه يبذل جهده وعلى الغريب أن يساعده في المحكمة..
  • يوم المحاكمة كان شبيهاً بيوم تنفيذ الجريمة، حاراً وساخناً ومليئاً بالهواء الثقيل والحاضرين من الناس، بعد أن نشرت الصحافة الجزائرية حادثة القتل في الصحف الرسمية، وللحظات شعر “الغريب” بالنشوة أنه صار مشهوراً والجميع يتكلم عنه.. وبدأت عينيه تلاحق الموجودين وتبحث عن ماري إلا أن التقطها بصعوبة بين الواقفين في الصفوف الخلفية تنظر إليه وتبتسم لكنه لم يخطر في باله أن يبادلها ولو ابتسامة واحدة..
  • بدأت جلسة المحاكمة وكان محام الخصم شرساً للغاية بدأ باستعراض “جرائم الغريب” وطالب منذ البداية بأشد العقوبات التي تطيح برقبة “الغريب”.

حكم المحكمة..

  • وكان محامي الدفاع يتوكل بالرد بين الحين والآخر على ادعاءات خصمه إلى أن انتصف النهار وقرر القاضي أخذ استراحة صغيرة، طمأن خلالها محامي الغريب موكله مجدداً أن القضية تسير لصالحه وأن القاضي متعاطف معه لدرجة كبيرة بعد أن قرأ ملفّه..
  • في الجلسة الثانية بدأ القاضي يستفسر عن بعض الأمور التي تمس حياة الغريب الشخصية فسأله عن سبب عدم بكائه يوم وفاة أمه، وعن سبب تناوله القهوة ليلة دفنها وأخيراً سأله عن حقيقة علاقته بماري ولماذا أقام معها علاقة غير شرعية، ومضى القاضي ومحامي الخصم بأسئلتهم هذه يريدون إدانته بها، ونسوا أن القضية هي قضية قتل على شاطئ الجزائر وليست تحليل شخصية الغريب الفيزيولوجية والنفسية !.
  • شعر الغريب بكآبة كبيرة و”ميل للبكاء” بعد أن أحسّ أن الكون بأسره قد التف حول عنقه يريد حزّها، وكان يريد الكلام لكن الكلام كان أوسع من فمه فلم يخرج منه كلمة واحدة واكتفى بالاستماع إلى المسرحية التي تدور أمامه..
  • وبعد حوالي الساعتين تحولت ادعاءات المحامي الخصم إلى سخرية من “الغريب” ووصفه بأنه ذو نفس مجرمة تستحق الموت، وأنه قتل العربي بعد تخطيط وإصرار ومثل هذا الإنسان لا يستحق الوجود مع أبناء جلدته وهو أقرب بذلك للحيوان الذي حان موعد القصاص منه..
  • كانت من الأمور المحببة لـ الغريب أن يستمع الإنسان إلى من يتحدث إليه حتى لو كان ذلك على كرسي الاتهام، لكنه بدأ بالتعب والملل والتعرق، وأرد الخلاص بأي حكم والخروج من هذه المحكمة الحارّة..
  • اكتفى بقول جملة واحد “الشمس هي سبب ارتكابي للجريمة” ما جعل الجميع يضحك بصوت عالٍ، حتى القاضي ذاته لم يتمالك نفسه من الضحك..
  • في هذه اللحظة من الضجيج بضحكات الناس، بدأ ضجيج حبه لماري وأراد أن يكسر هذه الأقفاص الحديدية ويعانق ماري التي كانت تسيل دموعها.. أحسّ أن ذكرياته الآن لم تعد ملكه وأن عليه فعل شيء ما.. وما زال يحاور نفسه إلى أن طرق القاضي بمطرقته لإعلان الحكم..
  • أعلن القاضي “باسم الشعب الجزائري” الحكم على “مارسو الغريب” بالإعدام شنقاً بالمقصلة في ساحة عامة !.
  • كان قراراً غير متوقع بالنسبة للغريب وكان هول الصدمة أكبر من أي شي آخر مر في حياته، وفي هذه اللحظة تحديداً مرت أمه بسرعة كبيرة في ذكرياته..
  • قادوه مجدداً لزنزانته المنفردة، والتي أصبحت أكثر ضيقاً وعتمةً، فهي الآن قبره المؤقت ريثما يحين موعد قطع رأسه في الساحة العامة، وبـ “اسم الشعب الجزائري!”..
  • صارت أيامه هنا أصعب وأطول وكل صوت يتحرك خارج غرفته يظنه صوت أقدام جلاديه جاؤوا ليقتادوه، صار الخوف هو رفيق أنفاسه، واستحوذت عليه فكرة الموت وهو بهذا العمر، لم يكن مستعداً بعد، وكانت مشاريعه تحتاج لعشر سنوات إضافية على الأقل.. وعلى هذه الحالة صار يغفو على ضجيج أفكاره  ويصحو على صراخ كوابيسه..وكل يوم يستعرض شريط حياته لأنها قد تكون المرة الأخيرة التي يفعلها..
  • ليلة من الليالي التي كان يفكر فيها بطريقة ما يهرب من الموت، غفا بعمق.. ورغم عدم إيمانه بالله والحياة الأخرى إلأ أن خوفه لم يتراجع أبداً من فكرة الموت بحد ذاته…
  • وقبل الصباح بقليل جاءه حارسان يعملانه أن هذا الصباح هو صباحه الأخير.. لم يفهم بداية ما قصداه وانتابته رجفة أرعدت كل أطرافه وظل متكوراً على نفسه في الزاوية إلا أن سحباه إلى خارج السجن…. لم تكن أقدامه تقوى على رفعه فكانتا خطان الأرض وكانت يديه ملتويتان مثل عنقه وظهره.. وعيناه معصوبتان لن تريا النور بعد الآن..
  • سيق إلى الساحة العامة ولا يعمل من حواسه سوى أذنيه اللتين تسمعان هتافات هنا وسراخاً هناك، تمنى لو أنه يتنشق شفتا ماري للمرة الأخيرة والموت يدنو منه بخطى واثقة.. وهو يحاول أن ينسي نفسه لكن نفسه لا تنسى..
  • وضعت رقبته على الخشبه ولعابه يسيل بغزارة وعرقه بلل قميصه والشريط الذي على عينيه..
  • لم تكن سوى لحظات.. وبعدها فقد الإحساس بكل شيء..

.
.
..
.

جرعة زائدة:

برأيي: لم يمت الغريب في تلك اللحظة التي قطعت المقصلة رقبته، ربما في تلك اللحظة فقط أعلن عن موته، لكن شخصية بهذا الحزن العميق هي ميتة منذ زمن وعلى عدة مراحل.. لا أدري بالضبط ماذا جرى مع الغريب في شبابه أو طفولته حتى جعله بهذه الحالة، كانت في حالة احتضار سريري، وجاء خبر وفاة أمه شعرة قصمت ظهره، فما عاد في هذا الكون ما يستحق الحياة….
ربما ظهور ميري أعاد له القليل من الأمل في هذه الدنيا، لكن سرعان ما فقدها بعد سجنته الحياة مرة أخرى..

شخصياً تعاطفت مع الغريب كثيراً وكنت أشعر أنه لا يستحق الموت أبداً.. عالعكس تماماً، المجتمع الذي جعله بهذه الهيئة هو الذي يستحق الإعدام.. مثله مثل حال عاهرة اغتصبت في صباها، وأرغمت على العمل ليلاً ومنعها محيطها من التعلم ثم جاء ليحاسبها عن ما جنته يداها !

ربما أعلن عن وفاة الغريب، ولكن ما زال في هذا العالم آلاف الغرباء المحتضرون سريرياً.. وينتظر الإعلان عن وفاتهم……

ماهر إحسان المونس.

 

 

 

.
.
.
.
.
.

مواضيع ذات صلة:

لقاء في هارفرد …لم يتم

شهيدة الجوري ..

جرعة زائدة على الفيسبوك ..

Advertisements

4 responses to ““الغريب” / ألبير كامو… مع جرعة زائدة..

  1. انا عكسك تماماً ماهر …. مدمن قراءة كتب من كل الأنواع و روايات بشكل خاص ….. بس بالنسبة لألبير كامو ما حبيتو و تحديدا ً الغريب ما بعرف كيف كملتها …. ما بعرف ليش بس كتير فيها تنظير و ملل …. على فكرة حالياً ما بذكر شي من الرواية و لما قرأت اللي كاتبو حسيت حالي كأني ما قارئها من الأساس …. يعني ما أثرت فيي و لا تجاوبت معها ….. و عن جد ما بعرف ليش كل هدا الاهتمام بكامو و تحديدا ً بالعالم العربي , يعني في كتير كتاب اهم منو …. !!!!! 🙂

  2. بما أنك بدأت بالرواية الأولى , فأنت دخلت هالطريق وما رح تقدر تطلع منه
    خبرتك انو انا هالرواية ما استسغتها لما قريتها , بس حبيت التفاصيل يلي كتبتها ويلي لخصت معنى الرواية
    انو الغريب ما كان يختار ” الأفضل بل الأسهل ” وهاد معنى تدهوره بهالرواية

    بانتظار قراءاتك الجاية

  3. رواية الغريب لالبير كامو رواية رائعة تضم كثير من العبثية والتمرد على الحياة لان البطل يعيش فيها حياته دون اي تعقيدات ولا ياخد الاشياء على محمل الجد حتى في قتله لذلك الجزائري كان قد قتله دون اي سبب الا ان الحرارة كانت مفرطة وازعجته لكن بالنسبة لكلامك عن اعدامه وكيفية ذلك لم تذكر في الرواية حيث ختم روايته ب “””” ولكي ينتهي كل شيء …. لم يعد امامي الا ان اتمنى ان يحضر متفرجون كثيرون يوم تنفيذ الحكم باعدامي وان يستقبلوني بصيحات الكراهية “””

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s