(ظلُّ) امرأةٍ مليئةٍ بالضوء..

الفرق بين كل النساء وحبيبتي، أن النساء يقرأن كلماتي، فتعجبهن..لكن حبيبتي تتحسس حروفي.. وتتلمس شفاهي حين أنطقها فلا يعجبها إلا أن تلتهما من المنبع حتى المصب..

أما أنا فكنت منهمكاً منذ ليلِ أمس أجهّز روحي لهذه الحفلة، اليوم تخرّجت حبيبتي، واليوم اعتلت منصة التكريم وقابلت مئتي رجل وامرأة..

كانت عريفة الحفل.. وبكل تأكيد لن أترك هذه المناسبة الذهبية تفلت من يدي..هي الفرصة الأنسبُ لأتأمّلها بملء قلبي دون الحاجة للبحث عن ذريعةٍ أو سببٍ أبرّر به طولَ نظري إلى قوامها، وما أجملَ قوامها الذي التفّ حول روحها وارتدى معنى الإنسان الذي فيها فكانت أجمل جسم حوى أصفى روح وأطهر إنسان..

حرصتُ ألّا أرمش كثيراً وأنا أنظر إليها، وأركّز بصري على تفاصيلها، لا أريدُ أن تفوتني ثانيةً دون وصالها..

ومن بين الرؤوس الناظرة.. كان المسافة تغريني لعناقها وأهمس لها.. كم أنا فخور بك يا “ملاك”… تسللت بنظري إليها، وبصعوبة تسلّقت عيوني على عنقها..
.
.

بدأت من رقبتها..مكاني الأشهى..

جمّدتُ عينيّ على عقدها  المتدلي بين ثدييها.. غفى بحنان، دون أن يدري أنه نائمٌ في حضرة أروعِ ما خلق الرحمن..

تأملت قليلاً بياضاً سالَ من جبل الشيخ إلى كتفيها المكشوفتين.. وقليلاً من صدرها، ونهدان فتيّان يشقان طريقهما بصعوبة تحت الثياب..
.
.

 أسرعتُ ببصري أراقبُ باقي تفاصيلها.. والخشيةُ تملؤني أن ينتهي كلامها قبل أن تنتهي جولتي.. والخجل يأكلني، لم أعتد على النظر إليها كل هذا الوقت..

إلى الأعلى قليلاً فوق عقد اللؤلؤ..

هضبتان من الخوخ المغري ترقدان على ثغرها.. متلاصقتان يفصلهما خطّ استواء أشدّ حرارة من الشمس.. فاترة شفاهها.. ثقيلة تتبختر مع كل كلمة تقولها، عليها سرابٌ من الندى، ومن لسانها يتدلى نبيذ أحمر تذوب حلاوته في فمي، وعناقيد عنب وتين وشمندر وقصب سكر..
.
.

وليس بعيداً عن شفتيها..على الأطرف  خدّ هنا وآخر هناك، أو وجنتا التفاح كما أحب تسميتهما..

شامتان على الوجنة اليمنى، وشامة وحيدة أصغر حجماً على الوجنة اليسرى.. وما أجمل سواد شاماتها على بياض خدّيها..

تظهر وتختفي شاماتها بالتناوبِ مع حركةِ شلالات شعرها التي تزيد من جمالها وصفائها ونقائها وحلاوتها..

شعرها، داكنٌ، عتمٌ، أسودٌ، كـ ليل لا قمر فيه ولا نجوم.. سلسبيلٌ، حريرٌ، معطّرٌ لطالما تزلج بين أصابعي وعلقت خصاله تحت تأثير الشغف..

وتحت تأثير الشغف تتوقف كل قطراتي ونبضاتي وأنفاسي.. وتكفّ حمائم السلام عن التحليق فوق قلبي.. وأشعر بحرارة الشوق يحرقني.. كأنني لم ألقاها منذ ألف سنة..

وفي الوسط بين خصلتي شعرها، عنق منحور على عتباته آلاف أزهار الرمان..
.
.

وبسرعة أنتقل بعيوني إلى الجزء الأجمل من كلّ جسمها.. وما دمت أستطيع أن أمشي بعيناي وحدي، فسأذهب حيث أشاء.. وأمكث قدر ما أشاء..

هنا أبدع الله في تكوين أجمل عينين.. تشبهان كل شيء ولا تشبهان أي شيء..

لا .. لحظة، ربما تشبهان ثقوب الفضاء السوداء.. إن أطلتُ النظر فيهما فإنني حتماً سوف أغرق في دوامة جذبها !

في عينيها بريق جليدي لَبِق، يصل لقلب القلب بسرعة البرق..  وكل حين وحين ترمقني وتبتسم وكأنها تجلدني بدون ألم.. تلقي عليّ آلاف التحيات، وبيني وبينها شيفرة سرية، نظرتها ترويني دون ماء..

ويقطع سلسلة تأملي لعينيها، أنامُلها الناصعة وهي تبعد شعرها حيناً وتلعب بشفاهها حيناً ..
.
.

في اللحظة التي ابتعدَ شعرُها عن عينها.. علقَ بصري على حاجبيها.. بينهما يشمخ منخار كالشمس..

زوايا عينيها حادتان لدرجة القتل  بصمت أو دون دماء..

وفوقهما.. حاجبان يعلوان رمشين يظللان عينين تأكلان من عيناي وتشربان و تنزفان دفئاً وأمان..

.

.

تنزل يدها..

لتشرق راحتيها.. من الداخل يدها طريّة ومن الخارج ناعمة.. وقبلة ظاهر يدها تختلف تماماً في الطعم عن الباطن.. رغم أن كلاهما سكر لا يذوب بالماء..

وفي واحد من أصابعها اليسرى شامة صغيرة .. وفي الإصبع الذي يليه خاتم عانق جلدها فالتصق.. كأنه ابتسم وانتحر..

امرأة مليئة بالضوء..

ما أن تلمس شيئاً حتى يشع بنور روحها.. لأنها حقاً امرأة مليئة بالضوء..

وباقي الأصابع مصفوفة بانتظام على رأس كل منها ظفرٌ ممشوقُ القوام.. ما أن تلمس شيئاً حتى يشع بنور روحها.. لأنها حقاً امرأة مليئة بالضوء..

عند المعصم.. ساعة لعينة تحسبُ الزمن بيني وبينها..

وفي المعصم الآخر عقدٌ ملفوف ثلاث لفّات.. كان هدية مني في إحدى المناسبات..

وليس بعيداً عن يديها.. ترقد ضلوعها التي مزجت من القساوة والليونة.. تعصرني وتكسرني وتقتلني كلمّا احتضنتني..

مع أن مرفقيها أرق من ورق النرجس.. وبشرتها تنطق لولا مشيئة الرحمن.. مثل الزجاج، مثل بساط الريح، مثل فانوس علاء الدين، تلمع بلون سحري كل مسامة من مساماتها..
.
.

كان صوتها يقتلني بملء إرادتي وهي تغني أجمل موسيقا سمعتها، مع أنني لم أفهم كلمة واحدة بعد مما قالته.. لكني كنت مطروباً بصوتها، وهي تشهق وتأخذ نفساً كأنما تأخذه من رئتاي.. أو تبلل شفاهها كلما جفّت كل خمس أو ست جمل..لأتذكر ما همسته لها ذات صباح ونحن شبه عاريين على حافة سرير.. و يداي تطوق خصرها أتلمس الضوء المنبعث منها…

مستمتع كنت بمراقبة شهيقيها وزفيرها.. مستمتعٌ بإنصاتي لنبضات قلبي وقلبها.. تعزفان على إيقاع واحد..

.

.
وحدها تجعلني أتعرّق وأنزف حرارة كلما أطلت النظر إليها، فيها من دفء الحب براكين، وعناقها قبلة من نوع آخر.. تصبح فيها النهود هي الشفاه.. والصدور مركزاً للزلازل والأعاصير..

وكلما خطفني دفء صدرها تهت من أين أشمها؟

كيف لا.. وعطرها قاتل وباعث على الحياة في آن معاً..

.

.

عطرها.. وما أدراك ما عطرها.. كان يسبق كل كلمة تقولها، وكان قد ملأ المكان والزمان، وكان يحوم على المنصّة مثل ملائكة بلا أجنحة.. وفي عطرها كل الحكايا.. وكل الأسرار وكل آيات الحب المقدسة..

عطرها ذاتيٌّ من مسامات جلدها يتفجّر.. وحينما بدأ جسمها يندى عرقاً.. فوق شفتيها وتحت رقبتها وحول منكبيها، كانت كل  قطرة عرق تنزفها تتحول في لحظة إلى عبير يسمى باسمها.. كل قطرة تترك ورائها ماء الورد وتهطل بكل رفق..

وأنا بدأت أفقد السيطرة على عيوني..
لا أستطيع أن أشمها وأراها في لحظة واحدة..

لا أستطيع أن أشمها وأسمعها في نفس اللحظة..
حين أشمها..
لا أستطيع فعل أي شيء آخر..
حواسي كلها تنحسر عند رقبتها.. !

.

.

في لحظة ! سقط القلم من يدها.. فانحنتْ لتلتقطه وانحنى الكون معها.. وهوى قلبي..

لم ألحظْ إلا في هذه الأثناء أنّ قدميها مكشوفتين بتنورةٍ قصيرةٍ اعتلتْ فخذيها النحيلين ولامست رأسي ركبتيها..

 ومن الأعلى غطت سرتها..

وفي الأسفل قدمان نظيفتان ملستان دون أن ألمسهما..

تنتهي كل منهما بخمسة أصابع.. وتنتهي معها شواطئ بحار العالم ومحيطاته.. وقصة ألف ليلى وليلة..

.

.

.

وفي لحظة ! تحرّك المكان.. وتصفيق حار ملأ المسرح..

انتهت كلمتها القصيرة التي كانت تلقيها !

لم أسمع منها أي حرف! مع أن نبرتها لغة عالمية..

كنت أنصت لموسيقا صوتها.. وأروتوي ما شئت.. وأبلل شفاهي وحنجرتي كلما ضاق بي الزمن.. حلاوة تعوم على لساني..

للأسف..

رحلتي القصيرة على ساحل جسمها انتهت..

والآن..

عليّ انتظار حفل قادم.. تكون فيه هي الأميرة..

تقف وأنظر إليها دون أن يعاتبني أحد.. وأطيل النظر دون تعب..

وإلا..

عليّ البحث مجدداً عن ذريعة كبيرة تبرر لي طول تأملي تفاصيل جسمها منذ البداية..

وحتى ذلك الحين.

سأبقى أتمتم للهواء آلاف الكلمات التي تموت على شفاهي..

.
.
.

.

.

.

لحظة لحظة.. لم أنته بعد..

هذا الإنسان.. هذا هذا الذي في داخلك، أحبّه أيضاً..
هذه الإنسانيّة التي بين جنبيك، أحبها أيضاً..

هذا المخلوق النوراني الذي يتغلل في مساماتك ويشعّ من وجهك ويديك.. أحبه أيضاً..

لم أغفل عن ذكره.. لكن ما تراه روحي لا تراه حروفي.. وما تدركه حروفي لا تدركه عقولهم، وإن أدركته عقولهم فإن أحداً سواي لن يستطيع أن يراك كما أراك أنا..

أراك ملاكاً بحجم السماء، يطير على سواحل دروب المجرّات، يطلّ صباحاً على الشمس، يهديها بعضاً من نوره، ثم يحلق عالياً إلى سماوات لا نصلها نحن..

أتعلق بواحد من أجنحتك، وبنفس الوقت آويك تحت جناحي الكبير، فلا ترى السماء رأسك وأنا الغيمة المظللة لروحك..

لم يُغرني جسدك رغم كل غناه، بقدر ما أشعلتني شهوة روحك..

هناك.. في مملكتي.. حين تتجرد روحك من كل ثيابها أراك بكل جمالك..
حين تتعرين أمامي من هموم الجبال.. أراك أجمل..

حين تصبحين ملكي تتقلب روحك على صدري دون ملل..

هناك.. أعشقك أكثر..

حين تنزف الطفولة من عينيك..
كم أعشق ميناء سلامك الذي يرسو بين رئتيك..

وحين تتنفسين.. تتنسفين آلامنا..

وحين تشهقين.. تشهقين أوجاعنا..

وحين تظمئين.. تشربين من دموعنا..

فأي فداء للأوجاع أنت، بأبي وأمي أنت.. تفتدين نفسك ليرتاح العالم..

تنامين على هموم مبعثرة.. تجمعيها في حقائبك حتى لا يتعثر بها أحد في الصباح..

وفي اليوم التالي، تشرقين رغم كل أوجاعك والدماء المتسربلة من جفنيك..

تنظرين للحياة بكل فسحات الأمل، تمحسين بطرف كمّك بعض الأوجاع التي على وجهك، تؤجلين جلسات البكاء للمساء وتزجرين النهار ويبدأ الكون تاريخاً جديداً تعلنه روحك كل يوم..

وحين أناديك.. أحتار بأي الأسماء أناديك..

يا زهرة المدائن يا حبيبتي..

يا دفء فيروز ويا عطر دمشق ويا عبق الياسمين ويا شموخ النرجس وأناقة بيروت و كبر البحر وبعد السماء ويا جهنم ويا جنة ويا عفريتة الجن..
يا ليلى قيس ويا نجوى الليالي ويا سلمى جبران ويا بلقيس نزار وبثينة جميل وشهريار وفنجان قهوة ونحلة وزهرة وأمواج بحر..

.

.

يا حكايا خمسين ألف ليلة وليلة ويا خمسين ألف رسالة ويا خمسين ألف دهر من العشق..

يا لحظة ويا زمن ويا ساعة ويا قلادة ويا طوق ياسمين ويا جوري وريحان وقطرة المطر وغيمة المطر وخير المطر ورائحة المطر..

.

.

يا بداية العشق ويا نهاية الحب ويا أول الوله ويا آخر الهيام ويا صوت الهديل ويا خجل الندى ويا جاذبية الأرض ويا حرية..

.

.

يا طير سنونو ويا حلم طفل نائم يبتسم ويا أملاً عند حدود النيسان..

يا شذى ويا عبير ويا عَبَق ويا شَبَق ويا رعد ويا برق ويا ريشتي وأوراقي ودواتي…

.

.

يا آخر حروفي ويا كل عشقي وكل حياتي وبعد مماتي ويا دموع ويا بكاء ويا ملح ويا قمح ويا روح..

.

.
يا شرايين ويا زمرة دم ويا أسرار الكهنوت ويا تعويذات السحر ويا موسيقى ويا رقص ويا رسم ويا شعر ويا نثر ويا كلمة ويا فنون الأرض السبعة.. يا أنت.. أحبّكِ..

.

.

.

ملاحظة: كل ما كتبته أعلاه.. كنت أنظر إلى (ظـلّـها).. لأنني لا أجرؤ أن أرمق جسمها وعيناي مفتوحتان..

لأن حبيبتي هي الأحلى والأغلى والأكمل والأطهر والأصفى والأنقى والأرقى والأطيب والأشهى والأروى والأندى والأجمل والأجمل والأجمل والأجمل والأجمل.. هي حبيبتي..

.نقطة.. ولـم أنتهي… ولـن..

.

.ماهر..

………………………… .يتبع ………………………….

.

.

.

مواضيع ذات صلة:

مدونة جرعة زائدة على صفحة الفيسبوك

صفحة المدونة على الفيسبوك

http://www.facebook.com/mahermon.wordpress

Advertisements

One response to “(ظلُّ) امرأةٍ مليئةٍ بالضوء..

  1. تعقيب: مجنون من هذا الزمان.. | مدونة جرعة زائدة..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s