أربعون ألف دقيقة.. رسالة حرب وحب..

أربعون ألف دقيقة.. رسالة حرب وحب..

بعد ساعات.. تصبح المسافة بين عيني ووجهك عمرها شهراً..ويصبح البُعد بين شفاهك وخدي عمره شهراً..
على وجنتي.. قبلة عمرها ثلاثين يوماً..ما زالت بعض من ذراتها تتوسد وجهي..أخبري شفاهي عن طريق تسلكه كي تلتقي بتلك الذرات..وفي عيوني صورة لأنثى ترقد في ظل روحي منذ ثلاثين يوماً..

نعم ..أكثر من أربعين ألف دقيقة خبأتهنّ في صدري وعيوني..نسجت منهنّ سبحة أتلو فيها ذكرى شوقك.. وأشعلت منهنّ شموع صلاة وكأنما شاء القدر أن يكون شهر الرحمن هو شهر عبادة وحب…كل أيقونات الشوق تكسّرت.. وكل حروفي وكلماتي وأوراقي أعلنت الحداد..أربعون ألف دقيقة أكبر من طاقة احتمال..

مرهق يا حبيبتي منذ سفرك الأخير إلى بيروت.. ومتعب الآن من ضجيج الحرب.. ولكنك هنا حوالي أراك في كل تفاصيلي.. وكل شيء يذكرني بك..صوت الرصاص يذكرني بدقات قلبي عندما عانقت شفاهك.. وهدير المروحية يذكرني بهرولتي حينما رآنا أباك في ذات عناق.. والظلام يدفعني لأتأملك أكثر بين نجوم السماء..
حبيبتي وها أنا أحجب اسمك.. لأن لا سبيل لحمام زاجل يحمل كلماتي إليك.. أودّ أن أقصّ لك آلاف الحكايا..


وددت أن أخبرك أنني قدمت 4 امتحانات جامعية، ثلاثة منها كنت عند حسن ظنك، والرابع أقعدني شوقي عن تقديمه.. ولدي امتحان خامس في الأسبوع المقبل.. وفي غيبتك أنجزت فلماً مع أصدقائي اسمه (هنا دمشق).. وددت أيضاً لو أنك حاضرة بين الجمهور تسايرين بدموعك دموعي..
الآن.. وأنا تحت لهيب النار في دمشق.. ملامحك المغرية تنضج في ذاكرتي أكثر فأكثر.. وتجلد كل حجر في جدران قلبي.. أخفيت عنك أن قدمي مصابة، ورأس أبي.. وقع أحد الشبابيك علينا.. لكننا الآن بخير..

نفذ الخبز منذ ثلاثة أيام.. لكن لم تتألم بطني مثلما تتألم حين تحنو إليك.. ما زلنا نعتمد على أطعمة لا تحتاج إلى خبز..
أفتقدك يا سماء.. وأقلب بعض الصور التي التقطناها هنا وهناك.. وما زالت خلفية جهازي تلك الصورة التي أعانقك بها في خان أسعد باشا بدمشق القديمة.. أظنها من الشتاء الماضي.. بالمناسبة في تلك اللحظة كنت أودّ تقبيلك لكن خجلي الغبي دائما يمنعني..

ثيابي كلها متسخة.. شعري طويل وكذا لحيتي.. وعيناي لا تنامان أكثر من ساعة أو ساعة ونصف.. وفي المبنى الذي أسكن فيه لم يبقى سوانا.. كل الجيران رحلوا.. كم تمنيت لو أنك عندنا حين بدأ القصف، وأنك لا تقدرين على الرجوع إلى منزلك، كم تمنيت لو أن دبابة قصفت الطريق فتمكثين في حجرتي حتى إشعار آخر..
أما إخوتي.. واحد نزح إلى لبنان ولجأ إلى أحد أقارب أمي، والآخر جاء إلينا بعد أن ترك زوجته عند أهلها.. لم يزعجني الأمر لكن حين جاء أخي كاد يكشف المخبأ السري لهدايا عيد ميلادك بالصدفة.. هههه الحمد لله مضى الأمر بسلاسة..

الليلة.. تعتصر عيوني لتستدر عطف قلبي..أصبحت ثلاثون ليلة، أعد في كل منها قلبي أني غداً سألقاك.. الآن فقط أدركت أي سعادة أهدر حين تغيبين عني… ولكن لا مكان للبكاء في هذا الزخم من صوت الرصاص.. فقط أحاول وضع رأسي تحت أي وسادة وأضغط عليها بقوة..
وأيضاً ماذا أخبرك؟ .. زجاجة العطر التي أحضرتيها إلي انتهت منذ مدة.. تركت فيها بضع ذرات كي أرشّها حين ألقاك.. وما زال ذلك القميص الذي التقيتك به موضوع دون غسيل, نفدت الحجج مني وأنا أحول بينه وبين غسالة أمي.. عليه رذاذ من شفاهك وعطرك.. مع أنني لم أعانقك في آخر لقاء.. لم أكن أعلم أن المدة ستطول بيننا إلى هذا الحد..كما أنني بدأت آكل من علبة الحلوى التي أحضرتها لك حتى قضيت عليها كلها… أعدك أني سأحضر لك واحدة أخرى بعد انتهاء الحرب..

بكل الأحوال، سأخبرك أنه لم يعد نساء في حياتي غيرك، وكلما اقتربت مني إحداهن طردتها بغير قصد.. وكلما كلمتني إحداهن تململت وبدأت أنظر في الساعة لا أطيق الوقوف مع أنثى غيرك..

صحيح وقبل أن أنسى، تأجل عرس أختي للمرة العاشرة، ولم أذهب للعمل منذ أسبوع.. وأخي أعطاني ألفي ليرة، وضعتهن فوق الآلاف الخمسة التي خبأتها من أجل سفرنا إلى اللاذقية..
وكل يوم أسجل القصص التي سأكلمك بها.. اااه ما أكثرها.. والصور والحكايا والعتابات.. ومشاريعنا المشتركة ..

أخيراً.. يفلت اسمك مني كلما تفوهت بأي حديث.. وكلما وددت الكلام عن أحد تقفزين أمامي وأنا لا أفكر إلا بك وحدك وأنت لا تصدقينني..كنت أظنّ أن أصعب مصاعبي هو حل معادلة رياضية من الدرجة الثانية بمجهولين.. لم أكن أعلم أن لقاءك سيكون أصعب !
موجودة أنت في شهيقي وزفيري.. وأنا مشتاق لك حدّ الاحتضار.. وودت اليوم أن أكتب لك بطريقة جديدة..
لا يوجد في شارعنا بحر لأرمي هذه الرسالة فيه.. فوضعتها هنا عّلك تمرين عليها بعينيك..

آه يا حبيبية.. كم اشتقت لك
…..

برزة – دمشق 24- تموز -2012

“معركة دمشق” … ماهر..

.

.

.

مواضيع ذات صلة:

مدونة جرعة زائدة على صفحة الفيسبوك

 

Advertisements

19 responses to “أربعون ألف دقيقة.. رسالة حرب وحب..

  1. اللـــــــــه ….
    ليت الوقت يسعفني لأكتب كل كلمات الإعجاب هنا ,,

    سأحاول من هذه النافذة , أن أتعلم كيف أكتب مثل هذه الملحمة لـــ حبيب ,, لأ أعلم شكله ولا اسمه ولا رسمه بعد ..
    لكن كم يطيب لي أن أكتب له ذكرياتي علّي أستطيع يوما أن أجلس معه أو مع طيفه على الأقل لأحدثه بها … هكذا بهذا الشكل و بذات الكلمات مع تغيير تاء التأنيث :p ..

    وعلى الرغم من أن دفتر ذكرياتي الفاقد لبطله بات مزدحما من الكلمات ,, إلا أن اقتباس كلماتكم من هنا إلى هناك سيكون له فسحة جديدة مع بصيص أمل بلون يختلف عن اللون الأبيض المعتاد …

    أخيرا ,, أغبطكم …
    فهي أربعون ألف دقيقة ,,,
    كم أتمنى أن أبدأ العد مثلكم ,, و بعدها لن أهتم بالأرقام …

    شكرا لهذا القلم بين يديكم ..
    شكرا لكم ..

    في أمان الله ,, وبين ربوع دمشق ..

    دمتم …

    • عندما قلت ,, اللـــــــــــه … من قلبي و أول كومنت 🙂 … كنت أعي تماما ما أكتب ,,
      فأنا دائما أقرأ في الظل ,, إلا عندما قرأت هذه التدوينة ,, أنطقتني رغما عني .. و على الرغم من أني أشعر حتى الآن أن كلماتي تلك قد طارت في الهواء عبثا دون أن يسمعها أحد ,, إلا أني اليوم أقرأ و أبتسم في الظل أيضا ,, ولكن بطعم الانتصار لها ولكم 🙂 ….

      مبارك ,, أعتقد أني قلتها قبل إعلان الانتصار أصلا ,, إلا أني اليوم أجددها و أرد على أول كومنت والذي بقي يتيما فترة طويلة و أقول لنفسي ,, شكرا :p …

      اليوم ,, سأردد مرة أخرى ليس لهذه التدوينة فقط بل لكل كلمة تخطها مستقبلا ,, ماهر ,,,,
      مبارك ,, مبارك ,, مبارك ..

  2. بعد التأهل للمرحلة النهائية..

    ربحت مدونة جرعة زائدة. -دون المرور بمرحلة التصويت – وبأعلى تقييم ^_^

    لتكون ضمن أفضل مئة تدوينة عربية لعام 2012 حسب مسابقة مشروع كتاب المئة تدوينة

    المدونة فازت عن تدوينة (أربعون ألف دقيقة.. رسالة حرب وحب..) (http://wp.me/pCAT1-lt) تحت قسم الخواطر.

    اسمحوا لي أن أكون عنصرياً وأبارك لمدونة عشوائيات… لمدونة السورية نهى صبح، وأيضاً فازت في المسابقة رغم مشاركة العشرات من المدونين العرب وكانت منافسة المدونين المصريين هي الأشرس..

    رابط المسابقة
    http://100posts-ebook.blogspot.com/2012/09/blog-post_21.html

  3. تعقيب: مجنون من هذا الزمان.. | مدونة جرعة زائدة..

  4. تعقيب: لعنة الرب على الحرب.. | مدونة جرعة زائدة..

  5. تعقيب: دمشق.. “المدينة التي لا تنام ” | مدونة جرعة زائدة..

  6. تعقيب: مطر في بيروت.. | مدونة جرعة زائدة..

  7. تعقيب: ليسوا أرقاماً…. | مدونة جرعة زائدة..

  8. تعقيب: ألف ساندريلا في دمشق.. | مدونة جرعة زائدة..

  9. تعقيب: الشعب السوري (ما) بينذل .. | مدونة جرعة زائدة..

  10. تعقيب: مهرُ دمشق.. | مدونة جرعة زائدة..

  11. تعقيب: فارس وسلمى.. | مدونة جرعة زائدة..

  12. تعقيب: جدولٌ لا ماءَ فيه ! | مدونة جرعة زائدة..

  13. تعقيب: ليلة صعود دمشق… إلى السماء.. | مدونة جرعة زائدة..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s