الشعب السوري (ما) بينذل ..

بيروت 2013

بيروت 2013

• سوق الأحد:
قبل 7 سنوات، عملتُ في سوق شعبيّ بدمشق يدعى العصرونية.
هذا السوق الذي يجاور سوق الحميدية وفيه تقريبا كل ما تحتاجه أيّة ربة منزل داخل بيتها من أدوات وخرداوات، وفيه أيضاً عشرات البضاعة لتجار الجملة.
في يوم الأحد تحديداً، كان السوق يعجّ بالزوار اللبنانيين، حيث كان يتوافد عشرات بل مئات التجار من لبنان كي بيتاعوا المواد بسعرها الرخيص وبيعها بثمن غال في الأسواق البيروتية والربح كان وفيراً.
من دون منّةٍ لكنه واقع ملموس ولا ينكره أحد، إلا أن الخيرات السورية كانت تفيض على الإخوة اللبنانيين من أسواق دمشق وحلب، وكازية جديدة يابوس على الحدود السورية تشهد طوابير السيارات التي تحمل نمرة بيروت تحتشد لتشتري البنزين السوري رخيص الثمن بضعفين أو ثلاثة أضعاف (هذا المشهد ما زال حتى الآن)
ولعلّ المثل القائل: “كل واحد بيعمل بأصلو” كان مصداقا لمعاملة الشعب السوري المضياف للإخوة الزائرين، أو كما تسميهم نشرات الأخبار بالنازحين سواء من العراق أو لبنان أو فلسطين أو حتى من كولومبيا لو استدعى الأمر !
ولكن، على ما يبدو، أن الشعب السوري قد خبّأ قرشه الأبيض في جيوب سوداء مثقوبة، فردّ الجميل كان من نوع آخر.
…………………………………………………………………………………

• “بليز يا بو علي لا بقا تاخدلنا سوريين” !

أكره التعميم، لأنه باطل بالمنطق، ولكن خلال زياراتي المتكررة إلى مدينة “الأناقة” بيروت، لم أجد أي “لباقة” أو احترام في معاملة الإخوة السوريين.
البداية من الحدود، أو حتى قبل الحدود: السيارة التي ستقلنا كانت قد ركنت بجانب الأفران الاحتياطية في نزلة جامع الأكرم، ووصلتُ على الموعد تماما ً وكنتُ أول الواصلين.
في يدي رواية “الهويات القاتلة” لأمين معلوف، توقعت أن أنتظر هنا أو هناك فقلتُ في نفسي أن أتسلى قليلا في القراءة.
وامتدّ انتظاري ساعة كاملة حتى اكتمل الركاب، وكانوا جميعهم لبنانيين باستثنائي.
ورغم تأخرهم غير المبرر عن الموعد ساعة كاملة، سألت إحدى الراكبات: “معنا سوريين؟ “
أجاب السائق: “اي بس واحد…”
فتأففت وتململت وبدأت بالضجر: “هلأ بدو ينضطرنا ساعة ع الحدود.. بليز يا بو علي لا بقا تطلع سوريين والله عفنا ربنا هديك المرة ساعتين نطرنا”
السيدة التي نطقت “بالجواهر” هذه كان عمرها لا يزيد عن العشرين عاما، احترمت أنوثتها وبقيت صامتاً، لكن ما فجّر غضبي هو أنها طالبة في كلية الطب بجامعة دمشق، تدرس بجامعة سورية وكانت كلتا يديها مليئة بأكياس الخضار والحليب المجفف وأدوات التنظيف لأنها كلها رخيصة هنا في دمشق مقارنة ببيروت.
ورغم أناقة ثيابي ومنظري الرتيب نوعا ما، إلا أن ذلك لم يغفر من سماع المزيد من الهمس عن السوريين في المقعد الخلفي بين شابين اثنين: ” الشعب السوري مش راقي.. الشعب السوري مش مسئف) يعني ليس مثقفاً، علما أنني الوحيد الذي كنت أقرأ في السيارة وهم يستمعون لأغاني هيفاء وهبي.
وهكذا الحال إلى أن وصلنا إلى الحدود.
ساعتان من الانتظار على كازية الجديدة لأن السائق أحبّ توفير بعض الليرات، فسعر التنكة في بلدي يوازي نصف السعر تماما ً في بلده..
فمازحته قائلا: ” لازم ما يخلو اللبنانيين يعبو هه”
فقاطعني طالب لبناني آخر يدرس في كلية الطب بجامعة دمشق أيضاً ودخلنا بسجال حاد عن ما سببه نزوح السوريين إلى لبنان، وعن انزعاج “الأشقاء” من الازدحام الحاصل في بيروت بسبب السوريين، وقلة فرص العمل، والموارد والماء والكهرباء.. وهكذا ازداد التشنّج إلى أن وصلنا إلى بيروت.
الألف ليرة السورية أصبحت تساوي 14 ألف ليرة لبناني، بعد أن كانت تصرف بـ 30 ألفاً، ورغم انخفاض قيمة الليرة إلا أن معظم المواد التموينية في سوريا ما زالت أرخص بكثير منها في لبنان.
…………………………………………………………………………………

• مغامرة في سيارة الأجرة:

أنزلني السائق أبو علي على مدخل بيروت الغربي، وكانت وجهتي منزل لصديقي قرب كنيسة مار مخايل، أخذت سيارة أجرة، وقبل أن أصعد، سألته كم يريد، فقال: “ما منختلف”، ألحيتُ عليه بالسؤال، فأجاب ضاحكاً: “خمسين ألف ليرة سورية”.. فصعدتُ لأني شعرت بالراحة اتجاهه.
سيارات الأجرة في لبنان تأخذ ألفي ليرة لبنانية لأي مكان تود قصده إذا كان قريبا، و4 آلاف في حال طالت المسافة، وهذا ما يسمونة سرفيس، أي سيارة أجرة تقل أكثر من شخص، لكن في حال وددت أخذ السيارة تكسي يعني لوحدك دون أن يصعد معك أحد آخر، فعليك دفع 10 آلاف ليرة سورية أي ما يقارب الـ 750 ليرة.
أوصلني السائق الذي بدا لي طيباً وفي الطريق علم أنني سوري وسألني إذا كنت مؤيداً أو معارضاً وسألني عن أحوال دمشق وكان مبتسماً إلى أن وصلنا للكنسية، سألته كم تريد، فأجاب بكل برودة أعصاب 5 آلاف، أعطيته خمسة آلاف لبنانية والسعر معقول نسبياً مع انه مرتفع أيضاً.
فعقد حاجبيه وقال: “بدي 5 تالاف سوري”.
استغربت كثيرا ورفضت إعطائه فمشى بسيارته مسرعا ودخلنا إحدى الحارات ورفع العصا في وجههي ومنعني من إجراء الاتصال أو طلب المساعدة، فلم يكن في يدي حيلة، أعطيته كل ما معي، 2000 ليرة سورية وبمعنى آخر قام بسلبي أو سرقتي.. أنزلني من السيارة وأنا الآن في بيروت خالي الجيوب.. ولا أخفيكم، شعرتُ بالذل..
…………………………………………………………………………………

• الماء والكهرباء:

في لبنان، الكهرباء تأتي زيارة فقط !، وهناك ما يسمى بالاشتراكات والآمبير، ولا يوجد منزل في لبنان إلا ويدفع ما يقارب الـ 100 دولار على الأقل ثمنا لاشتراك الكهرباء.
لكن المستغرب أن بلدا مثل لبنان ما زالت منازله تعبئ الماء “بالبيدونات” ولا يوجد تمديدات إلى داخل البيوت.. ومجدداً هنا يشتعل الحنين إلى دمشق وإلى مياه بردى، حيث نغرف ما نشاء حتى الارتواء..
الأمر بدا جليّا على موائد الطعام، حيث يحذرك الجميع بالاقتصار على حاجتك فقط في الماء، وعدم الإسراف بأي مادة أخرى، فالموجود شحيح..
…………………………………………………………………………………

• سقطت الـ (ما)..

المقارنة بين بيروت ودمشق لا تصحّ كثيراً، فهناك العديد من العوامل التي تسقط عملية المقارنة هذه، لكن وضع المواطن السوري في بيروت خصوصاً، وفي أي مدينة أخرى خارج الحدودا لسورية عموماً يتفاوت بين حالتين.. الإشفاق عليه تارة، وإذلاله تارة أخرى..
قبل عودتي إلى دمشق بيوم واحد، التقيت بشيخ سوري نازح، سألته عن حال السوريين هنا في بيروت..
فقال لي:
– “لك يا ابني.. شو اكتر شي ممكن يصرلك بالشام؟ ”
– ممم ممكن موت
– “اي ها.. هون إذا متت بيبعتوك ع الشام.. لك يا ابني .. بلدي وإن جارت عليّ كريمة… أهلي وإن ضنوا عليّ كرام…ُ ”

رأيت رغم زيارتي القصيرة، عشرات الطوابير من الأمهات والثكالى ينتظرون دورهم في قبض بضع آلاف الليرات اللبنانية، ورأيت ما آلمني أكثر من ذلك، من تسوّل وفقر وأعمال مذلة كالعمل في الخدمة أو استغلال الفتيات أو تنظيف السيارات..
الصورة النمطية – للأسف- الآن لأي نازح سوري هي الفقر و”التعتير” وتجاعيد الوجه..
الأقدام الحافية والأيادي المبسوطة وذلّ السؤال في وجه معظم النازحين السوريين أعادت لي صور الذاكرة إلى شباط 2011 حين تجمع حوالي 200 سوري على مدخل سوق مدحت باشا وهتفوا جميعا بوجه شرطي مرور أهان مواطناً ورددوا بصوت واحد “الشعب السوري ما بينذل”..
بعض ممن يكتب تاريخ هذه المرحلة يعتبر هذه الحادثة هي بداية الحراك في سوريا..
لكنني اليوم يؤلمني جداً أن أرى سقوط الـ (ما) من هذه الجملة..
بعيداً عن العواطف والمشاعر الوطنية.. لكنه حقاً.. سقطت الـ (ما) من هتاف.. الشعب السوري (ما) بينذل..

 

.
.
مواضيع ذات صلة:

…………………………………..

صفحة المدونة على الفيسبوك

http://www.facebook.com/mahermon.wordpress
.

نشرت المقالة ضمن زاوية: دقيقةمدونة جرعة زائدة على صفحة الفيسبوك ونص مع ماهر المونس

ضمن موقع الشارع السوري.

Advertisements

4 responses to “الشعب السوري (ما) بينذل ..

  1. تعقيب: الصفحة غير موجودة | مدونة جرعة زائدة..

  2. تعقيب: مهرُ دمشق.. | مدونة جرعة زائدة..

  3. تعقيب: جدولٌ لا ماءَ فيه ! | مدونة جرعة زائدة..

  4. تعقيب: ليلة صعود دمشق… إلى السماء.. | مدونة جرعة زائدة..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s