مهرُ دمشق..

العروس دمشق

العروس دمشق

اليوم صباحا، في الطريق إلى مشفى المجتهد لعيادة أحد أصدقائي المصابين بتفجير أمس الأول، عادت بي الذاكرة عامين للوراء، حين سافرت إلى مدينة الجزائر العاصمة.
نزلتُ في المطار وعلى الموعد كان هنالك شخص طيب نسيتُ اسمه لأنه كان غريباً، لكن صمته اللطيف رافقني طوال رحلتي..

على طريق الفندق وقبل أن تهدأ أنفاسي همسَ لي صديقي الطيب عن خصوصية الشعب الجزائري وقال لي:
“إياك وكثرة المزاح، ولا تبالغ في الضحك، وإذا كان ولا بد فاكتفِ بالتبسم.. الشعب الجزائري شعب طيب ومضياف ومساعد ويحبّ السوريين كثيراً، لكن كما تعلم الجزائر بلد المليون شهيد.. اليوم لا يخلو بيت جزائري من صورة معلق في زاويتها شريط أسود.. لا تخلو عائلة جزائرية من حزن عتيق لفقد شهيد في الثورة ضد المحتل الفرنسي..لذلك تجد معظم الوجوه صامتة عاقدة الحاجبين وفي ابتسامتها خجل رتيب…”

لعل السوريين فيما مضى بمختلف شرائحهم الاقتصادية، اعتادوا، على تزيين حيطان منازلهم وجدران بيوتهم بلوحات طبيعية أو رسومات بسيطة أو ساعات أو وضع أشياء للزينة..
ولكن هذه الأمور تعدّ من الكماليات عند الطبقات المتوسطة أو دون المتوسطة، خاصة مع حمى الأسعار والدولار هذه الأيام، لذا تجد حيطانهم خالية إلا اللهم من آثار التعب وتجاعيد الفقر..
لكن مع مرور سنتين تقريبا من نزيف الدم السوري، اختلفت فيه عادات وتقاليد كثير من السوريين أيضاً.
بعد اليوم أصبح السوريون بجميع فئاتهم ومهما اشتد فقرهم يفرغون أحد حيطانهم أو جداراً كاملاً من جدران منازلهم..
ليس لوضع تلك الرسومات أو اللوحات، بل لتعليق صورة شهيدهم الذي فقدوه خلال هاتين السنتين..
يكاد من الاستحالة أن عائلة سورية لم تفقد شهيداً خلال الأشهر الماضية، إن لم يكن ابنها فابن عمها أو جارها أو صديق قديم للأسرة أو أحد المعارف الذي له من المودة ما يستوجب معه وضع صورته مع شريطة سوداء على حافتها اليسرى من الأعلى..
أصبحت حيطان السوريين تتزين بصور الشهداء وفي كل منزل من منازلنا شريط أسود ينتظر الصورة التالية !

اليوم، جيل كامل من الأطفال نما وكبر على مشاهد الدم والأشلاء والجثث مجهولة الهوية والأجساد مقطوعة الرأس..
اليوم أي طفل مهما صغرُ عمره، يناقشك بالسياسة والحل الأمني وتشتت المعارضة، ويميّز بين صوت الدوشكا والكلاشنكوف ويقدّر بعد الانفجار بعدد الأمتار!
لا عجبَ أبداَ إذا كان جيل الغد حزيناً كئيباً مبدعاً بالفطرة، كاتباً لأروع قصص الرثاء وحائزاً على أكبر الجوائز العالمية بالأفلام التراجيدية..
لا غرابة لمشهد ربما بدأ من الآن، مشهد أشخاص لا تعرفهم، هم رجال مفتولي العضلات بالعرف الاجتماعي، لكنهم يبكون في الطريق، يتعثرون بخطاهم، يسيرون على غير هدى..
أياً يكن، فإن جيل المستقبل وربما أجيال المئة سنة القادمة سيكونون استثنائيين بكل المقاييس..
وجوه الناس في دمشق اليوم صامتة، لكنها مع ذلك تحكي ألف قصة.. وكل قصة تحمل ألف دمعة..
وربما، لأني أعيش في دمشق، أنحازُ إليها أكثر.. وأعرف عنها أكثر وأكتب لها أكثر..
جيل اليوم عاش في مدينة غُرسَ في ضلوعها حتى الساعة أكثر من ستين تفجيراً لم يترك حجراً على حجر..
مدينتي العروس دمشق، أصبحت الآن أرملة اتشحت بالسواد..
بعيداً عن قطع الكهرباء والعتمة الضنكى، إلا أن في مدينتي اليوم آلاف العباءات السوداء لأمهات وزوجات فقدوا أبناءهنَ وأزواجهن..
فيها أيضاً آلاف المخطوفين، ذابت عيون ذويهم بالبكاء والصلاة كي يبتعدّ حدّ السكين عن نحورهم..
ومثلهم معتقلين في ظلام السجون، منهم من كان مظلوماً ومنهم من كان ظالماً، ومنهم لم يكن له ناقة ولا جمل..
وعلى أرصفة دمشق اليوم، آلاف الأقدام المتشققة الحافية تتسول لقمة خبز أو نار دفء..
وفي مدارس دمشق اليوم، آلاف العوائل النازحة، التي تركت منازلها بلا سقف أو جدران..

وداخل كل منزل في دمشق اليوم حزن مئة سنة مقدمّ، ومئة سنة مؤخر، وفرات من الدمع.. هو ذا مهرُ دمشق اليوم..

.
مواضيع ذات صلة:

…………………………………..

صفحة المدونة على الفيسبوك

http://www.facebook.com/mahermon.wordpress
.

نشرت المقالة ضمن زاوية: دقيقةمدونة جرعة زائدة على صفحة الفيسبوك ونص مع ماهر المونس

ضمن موقع الشارع السوري.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s