فارس وسلمى..

عن قصة حقيقة، تم فقط تغيير أسماء الأماكن والشخصيات:

………………………………………………….

ما زالت على هذه الجلسة منذ تسعة أيام..

مرتدية فستان زفافها المؤجل، وتعانق منديلين، أزرقٌ وأخضر، متسخة الوجه، تجلس على وشاح أسود وقدماها الحافيتان تلامسان بطن الأرض، جالسة على بساط، بجانب كرسي خشبي منحني الظهر، واضعة رأسها بين ركبتيها، لا تحنّ ولا تأنّ..

تأكل كيلا تموت فقط، وتتنفس قدرا ً يبقيها في هذي الحياة، وتشرب كي تقوى على البكاء، فهي ما زالت في صدمة أثقل من رمل البحر، مذ سمعت نبأ موت فارسها برصاص قناص في دوما بريف دمشق..

تسعة أيام على رحيل فارس، وتسعة أيام من صمت النهار، وأنين الليل، تتقلب تقلّب العليل، تتخبّط تخبّط المسموم، تتلوّى تلوي الظمآن من حرارة الصحراء، لا تعي أيامها ولا تعدّ الساعات فقد أصبحت كل الدقائق متشابها، كل الدقائق تقود قلبها إلى صورة فارس المعلقة بخيطين على جدار غرفتها الأيسر..

وكذا الطرقات أيضا، كلها تقود إلى المقبرة، أينما يممت وجهها تجد الطريق يشدها نحو قبره ففي رائحة ترابه السلوى..

ما زالت سلمى تخبّئ في خزانتها رسائلها المكوّمة، كان من المفترض أن يقرأها حين يعود، وكذلك الفستان القصير الذي لطالما اشتهاها وهي ترتديه، ما زال أيضاً نظيفاً ودافئاً بجانب العطر الذي لطالما عشق استنشاقه حتى الشبق..

حتى بياض جسمها، كانت قد قررت أن يبقى حكراً لعينيه دون كلّ الناس، وكذلك عبير جسمها ونعومة يديها وعبق أنفاسها الدافئة..

رسوماتها وكلماتها وصمتها وكلامها وبعضها وكلها كانت ذخيرة حتى يأتي فارس..

لكنّ فارس اختار الطريق القصير، ولطالما كانت تكره الطرق القصيرة مذ سمعت من جدّتها أن الذئاب تكمن في هذه الطرقات..

سلمى، حين تبكي، يبكي البيت كلّه، فهي تعصر من قلبها وتسكب في عيونها، وحين تئنّ، يئنّ البيت كلّه، فهي تشهق كريح في شباط تصفر وتدوي وتصرخ فارس فارس فارس..

ثم تهدأ قليلاً، لعل طيفه مرّ من هنا فأسكن صراخها، ما تلبث أن تعود لصراخها..

سلمى بالأمس كان عمرها اثنان وعشرون عاماً، واليوم صار عمرها خمسين..

تسللت خصال شيب إلى شعر سلمى اليوم، ونما على وجهها أخدودين من التجاعيد، وصار صوتها مبتلاً هشّاً ويداها دائمتا الارتجاف وقدماها لا تقويان على المسير إلا إلى قبر فارس..

سلمى تقول أنها نذرت ما تبقى من عمرها للبكاء على فارس، فقد كان أجمل ما بقي في حياتها، بعد أن خسرت بيتها وعملها وذكرياتها وأصدقاءها ولم يبق في عتم عيشها إلا نور وجه فارس..

سلمى اليوم تردد أبيات من الشعر..

نفسي على زفراتها محبوسة.ٌ. يا ليتها خرجتْ مع الزفراتِ.. لا خيرَ بعدكَ في الحياة وإنما… أبكي مخافة أن تطولَ حياتي..

سلمى اليوم، وفي كل ليلة، تتمدد في فراش موتها، لعلّ الرب يرأف بحالها فيأخذها إلى حيث أخذ فارس.. تبسط يديها، وتغمض عينيها وتسبل قدميها وتنفخ في روحها علّها تحلّق سريعاً..

مهما كتبت عن سلمى، ومهما صورت، فإن في الروح أوجاعاً أثقل من الورق وأكبر من صورة وأوسع من صوت ودمعة وورقة وحبر..

في الروح أوجاع لا تطالها حواس الجسد، لا تدانيها مخلوقات الدنيا..

في الروح نزيف يحشرج السماء، وصراخ يصمّ الملائكة، ودمع يفيض على البحار، وشوق يُحسب بعدد النجوم والرمال وقطرات المطر…

سلمى أنثى ما زالت بجسدها هنا حتى لحظة كتابة هذه الحروف، لكن لا أدري إلى متى ستبقى سلمى..

.
مواضيع ذات صلة:

صفحة المدونة على الفيسبوك

http://www.facebook.com/mahermon.wordpress
.

مدونة جرعة زائدة على صفحة الفيسبوك

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s