هلوسات حرب..

كنتُ، قبيلَ هذه الحرب، أوصف بالمتفائل المبتسم، وربما من نٍعم الله أنني عُرفتُ بين أصدقائي بحسن الاستماع إلى مشاكلهم لأنني دائما أقوم بتبسيط الأمور وحلحلة العقد وما إلى هنالك.
أياً يكن، فإنني ما زالتُ -رغم كل الألم- أحتفظ بكثير من التبسّم، وما زلت رغم التعب أجد لكل مصيبة محلا من الإعراب..
كانت أولى الأحزان فقد الأحبة واحداً تلو الآخر بداعي السفر.. لكنني كنت أواسي نفسي أننا سنلتقي مجدداً وسيكون اللقاء بعد الشوق أجمل..
ثم بدأنا بفقدهم دون رجعة، وكانت استشهادهم عزاء وسلوى.. “فللآخرة خير وأبقى”..

وبعد خرجنا من منزلنا، أخبرتُ نفسي أنني خرجت من منزل لأخر.. وهناك الآلاف خرجوا من منازلهم للعراء..
ثم فقدَ أبي عمله، فبشّرتُ أمي، وقلتُ لها هناك من فقد عينه أو ساقه أو ربما حياته كلها والحمد لله والدي لم يصب بأذى..
ثم اختطف أحد أصدقائي المقربين، وكانت السلوى أنني عاد مع رأسه على أكتافه، ولم ينالوا من جسده إلا بعض الكدمات وقليلاً من التورّم في الأقدام..
وبين هذا وذاك تفاصيل لا تعدّ ولا تحصى من الغلاء إلى تأجيل عرس أختي عشرات المرات، مروراً بخسارة الكثير من الأصدقاء بسبب السياسة..

أياً يكن، فإن هذذه التفاصيل وغيرها من مشاهد الموت المتكررة صار يعرفها كل سوريّ جيداً، واقترب الموتُ من كلّ واحد منا حتى التصق فما عاد يراه..
كل ما نراه هو أننا سلعة سياسية أو مادة إعلامية وبأحسن الأحوال نكونُ رقماً على شريط أحمر تلفزيوني مزبرج بكلمة عاجل !

سنتان.. كأنهما عشرين عاماً من النضج.. وخمسين سنة من الحزن المقدّم جعلتني أغيّر طريقة تفكيري في كثير من الأمور..
)بالمناسبة أنا أكتب الآن لأنني أريدُ أن أكتب لا لسبب آخر(..
لكنّ ذلك لم يمنعني من استغلال هذا الواقع المزري لاحتيالاتي مع حبيبتي..

من سخرية القدر أن أجعل هذه الحرب تحت أمرتي وتحت خدمتي ولصالحي..
فأنا من أدعي أنني أعظم عاشق في أوسخ حرب.. وأنا من يزعم أنني أحبها بقدر الحزن في دمشق وبعدد الرصاصات التي أطلقت في حلب وبحجم الدمار في أحياء حمص القديمة..
مع كلّ انفجار، صار عندي ذريعة إضافية لسماع صوتي حبيبتي بحجة الاطمئنان عليها..
هل تصدقون أنني صرت أهوى صوت الانفجارات ههه .. ها .. سأسارع للاتصال بحبيبتي مع علمي علم اليقين أنها في المنزل وأنها بخير..
بيتنا الجديد الذي نزحنا إليه يقع في أطرف دمشق وفي منطقة “ساخنة”.

يا إلهي كم هو جميل أن يكون بيتك في منطقة ساخنة، فأنت على موعد يومي مع الموت..
وهي فرصة جديدة كي تخشى عليّ حبيبتي وتطمئنّ بشكل يومي أنني أصبحتُ في السرير سالماً..
عملي في مكان تكثر فيه الاعتقالات.. يا للروعة.. مناسبة جديدة لقليل من الخشية.. ولا بأس بشيء من الدلال لعلي أنال كلمات لطيفة من هنا.. أو رسالة ودية من هناك..
وبعد، ماذا يوجد في هذه الحرب..
قناصة؟ انتحاريون؟ قذائف هاون؟
ما أجملهم جميعاً.. بفضل هؤلاء اتخذت قراري بآلا أزعل حبيبتي مهما كان السبب..
أخشى أن يخطفني الموت على عجل، وبيني وبين عينيها حزن يبقى للأبد..
أنا مدين لقناص حيّنا بوردة وقبلة..
بسببه أنا كل يوم قبل أن أصل لمنزلي بأمتار، أتصل بحبيبتي وكأنه الاتصال الأخير..
لا أدري من أين أخترع كلمات الغزل، وواقعا أجهل من أين يخرج كل هذا الكلام الجميل من فمي هههه تذوب هي وأذوب أنا.. حتى أصلَ سالماً إلى أعتاب بيتي..
وبعد..
أنا مدين لهذه الحرب بألفي رسالة نصيّة، وعشرات الرسائل الورقية، وأكثر من أربعة آلاف كلمة أحبّك.. ومئات القبل والعناقات ودمعات الفرح واللقاء.. وساعات شوق وانتظار..

من قال أن هذه الحرب كلها سيئة؟
أنا جعلت من هذه الحرب أجمل قصة حب..
سامحيني حبيبتي.. قصة حبنا مكتوبة بالحديد والنار..
لكنّي والله وحقّ دماء الشهداء التي سالت على أرضي أنني أحبك حتى آخر رصاصة وآخر قذيفة وآخر قطرة دم شهيد..

ليس لأنك حوريتي فحسب.. بل لأنه في قناعتي وديني ومعتقدي..
الحب أقوى من الحرب… أنتِ أقوى من الحرب .. ♥

https://i2.wp.com/farm8.staticflickr.com/7170/6563173049_ab1200a53b_z.jpg

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s