خط عسكري..

قبل سنة، أي في تشرين الأول 2012، كان الشتاء قد احتلّ ساحات دمشق باكراً، وأما على أطراف المدينة، خاصة في مناطق الريف، كان البردُ مضاعفاً، يُخدّر الأطراف، ويجمّد الشفاه، وماء العيون في الجفون.

في بلدة تسمّى قدسيا، غربي دمشق، يمرّ من هناك أحد فروع نهر بردى الأساسية، ويمرّ معه صقيع يكسرُ الحجر، ولا يكسرُ الخوف الممتلئ من ظلمة المكان.
اشتباكات عنيفة دارت في هذه المنطقة العام المنصرم، حوّلتها من مقصد سياحي، إلى ميدان معركة، رَكَدَ على جمر، لا يدري أحدٌ متى يشتعل.
لستُ إلا عاملَ تنظيفات، تبدّلت نقطتي التي كنتُ أُنظّف بها، فصار عليّ أن أركن عربتي النظيفة قرب منزلي.
واقعاً كانت عربتي نظيفة، رغم أنها مليئة بالقمامة..
ربما لأن عيوني أرادت أن تراها نظيفة..
أجملُ ما في عربتي، أنها تمرّ على الخط العسكري دون تفتيش، متجاوزة كل السيارات وطوابير الدور… ألقي تحيّة، وأتابع المسير..


…………………………..
اليوم عدتُ إلى منزلي باكراً، البرد باغتني، وبدأت الدم يرتجفُ في عروقي، لكني أحاول أن أطيل الطريق إلى البيت، الذي أمسى أشبه بثلاجة انقطعت عنها الكهرباء منذ يومين.
لكن الأجل قدر لا مفرّ منه، لا بد لي أن أصل، وها أنا الآن وصلتُ باب المنزل، وأنا والله مشتاق لزوجتي وطفلتاي.
لدي طفلة اسمها حنين، عمرها 15 سنة، لكنها أكبرُ من عمرها بكثير، ولدي ابنة أخرى تصغرها بثلاث سنوات، سميتها سلمى على اسم أمي.
طرقتُ الباب، التعبُ أكلَ منّي يداي، فما من قوة تخرجُ مفاتيح المنزل العتيق من جيبي المثقوب.
فتحت زوجتي بنظرات معاتبة، تذكرني بأني لم أدخل طعاما إلى المنزل منذ أسبوع، وكل المؤن شارفت على الانتهاء.
ثم تطيلُ زوجتي الحبيبة الصمت، لتذكّرني أنها محتارة بين ألم الجوع، وبين ألم البرد..
وإن نسيت، فإنها لا تنسى دموع الانتظار التي تستقبلني بها عقب كلّ اشتباك، تخاف عليّ كثيراً.
يقطعُ هذه المحادثة الصامتة صوت سلمى، تركض نحوي وتتعلق على أكتافي لتقع وتكرر العملية حتى أنزلها بيدي..
سادت لحظات سكون، لم أتحدث، لا زلتُ أبحث عن مدخل أبدأ به الكلام مع حبيبتي.
…………………………..
– “كيفك اليوم؟”
– مممممم (لم تجب)
– سمعتو صوت الدج؟ كأنو زايد هاليومين؟
– (استمرت في الصمت)
– برد ما؟
– عنجد؟ لحالك عرفت ولا حد قلك؟
– …………………………..
جلسنا جميعا على طاولة الطعام الخاوية، ما تبقى من الرز وقليلا من لب الكوسا وماء وخبز.
…………………………..
– لك من وين هالخبزات؟ تازا كأنو؟
– ولاد الحلال كتار..
…………………………..

حنين، الابنة الكبيرة، على صغر سنّها، أحسّت وفهمت، أن توتراً ما بين والديها يزداد حرارة.
قطعت السكون، وقالت لي:
…………………………..
– حنين: باب تعال قرّب من الصوبيا بركي بتدفا شوي.. باينتك بردان
– الأب: جبتو صوبيا بغيابي؟
– حنين: اي جبنا.. تعال قرّب
– الأب: لك بنتي مقطوعة الكهربا ومعمي على قلبي..
– حنين: انت تعال هلأ بتشوفا.. سلمى تعي.. تعي اتدفي
– سلمى: اي بابا تعال..
– الأب: لك هي قرّبت وينها مالي شايف غير العتمة..
…………………………..
هنا ضحكت حنين وسلمى ضحكات خفيّة، غطّت على صوت نحيب خفي من صدر الأم
الأب: أم حنين عم تبكي؟
الأم: علا بكاؤها
الأب: يا ولاد شبها أمكن؟
حنين: بابا خلص تركها تعال.. وبدأت تبكي حنين..
سلمى: صارت تبكي وتضحك في آن معاً.
حنين: تضحك بصوت عالي والدموع تسيل على خديها..
الأب: لك شبكن؟ شوفي؟
الأم: تبكي أكثر وأكثر وأكثر..
حنين: صرخت برد برد..
سلمى: صرخت بصوت أعلى… برد بابا برد.. تعال..
الأم: صارت تشهق بالبكاء… تنزف وتبلعُ أنفساها..
حنين: ترفع صوتها على صوت اختها وتضحك وتبكي وتصرخ.. برد يا ربي.. برد…
سلمى: قاومت بصوتها صوت أختها ولم تجاره.. وصارت تصرخ برد.. برد.. يا الله برد..
الأب: بدأ يبكي.. اي حبيباتي برد.. تعالوا قربوا ع الصوبيا..
حنين: وينها؟
سلمى؟ وينها وينها؟ بردانة أنا وين الصوبيا؟
الأب: لك ليكها بالزاوية مطرح ما كنت عم تأشرولي تعالوا
الأم: تئن فقط وصارت الآن تنوح كالجريح..
حنين: اي سلمى عنجد ليكها في صوبيا..
سلمى: وين؟
حنين.. ليكها..

.
.
.
.

ثم تعانق الجميع..

.
.
.

ماهر المونس

صفحة المدونة على الفيسبوك
https://www.facebook.com/mahermon.wordpress

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s