كبروا ع بكير.. كبرو كتير كتير…. جولة في عيون أطفال دمشق

 

“إذا أردتَ أن تعرفَ تاريخ شعب، فانظر في شيوخه، وإذا أردتَ معرفةَ حاضر شعب، فانظرْ في شبابه، وإذا أردتَ معرفةَ مستقبلَ شعبٍ، فانظرْ في أطفاله”

……………..

تمهيد:

كانَ وما زال الأطفالُ في سوريا يعانون ما يعانونه من ويلات الحرب التي تطحن البلاد منذ 3 سنوات، وبعيدا عن الأرقام الأممية المتعلقة بالأطفال الضحايا، والآخرين النازحين، وناهيك عن الإعاقات والأمراض الجسدية والنفسية التي تلقفها أطفال سوريا خلال الحرب، فإن انعكاسات أخرى غير مباشرة، رسخت في أذهانهم وقلوبهم، حيث يعد ما يشاهده الأطفال على شاشات التلفاز عاملا من أكثر العوامل التي تؤثر على انفعالاتهم وسلوكهم وأحلامهم وآمالهم.

 

  • لم يتطلب الأمر منّي أكثر من قطع شارع، مسير دقائق من أول سوق الحميدية إلى آخره يعطيك مؤشرا واضحا لحجم الكارثة، عشرات الأطفال المبعثرين وراء “بسطات” قوتهم..

  • طفل سياسي

 

  • عبد الرحمن، لم يكمل الـ 14 سنة، يستوقفك بنظرته الحادة على مدخل سوق الحميدية، سألته عن أبرز ما يشاهده على التلفاز، فأخبرني أن العمل يأخذ جلّ وقته، لكنه حريص بعد عودته مساء أن يتابع نشرة الأخبار، وخلال النهار، يُبقي سماعات المذياع في أذنيه لمتابعة أي خبر عاجل.

 

  • عبد الرحمن يعيش مع 5 من إخوته في منزل عمه بمنطقة البرامكة، تحدث عن أوضاع السياسة والميدان حسب ما يتابع على قنوات التلفزة، وحلّل وركّب وشرح، ولم ترد بين مفرداته أي من عبارات برامج الأطفال، أو أفلام الكرتون.

 

  • استفزّني حديثه “العميق” في السياسة، وسألته: ألا تشعر بأنك كبير؟ فأجاب بهدوء: “والله بحس حالي تغيرت كتير.. شغل وتعب وما بروح ع المدرسة.. بحس حالي زعلان وما بعرف ليش.. بحس حالي زعلان كتير مو شوي..”

………….

  • مركز إيواء

 

  • في مكان آخر من دمشق، وداخل مدرسة سمية المخزومية في المزة، يعيش “أويس” مع عائلته وعدة عوائل أخرى في مركز إيواء..
  • أويس “12 سنة” يذهب للمدرسة، ويكره كثيرا نشرات الأخبار، لكنه مرغم على مشاهدتها لأنه لا يوجد في الغرفة التي تقطنها 4 عائلات إلا تلفاز واحد، وقرار المشاهدة غالبا ما يتحكم به أولياء الأمور.
  • يتمنى أويس “من كل قلبه” حسب تعبيره أن يشاهد حلقات المحقق كونان، ويعتبرها من ذكرياته الجميلة، وأكثر ما يفضل من برامج الأطفال “توم وجيري”.
  • أويس قليل الكلام، كثير الشرود، يطيل النظر إليّ، وكلما سألته يجيب بكلمتين ثم يصمت، طلبتُ منه أخيرا أن يحدثني عن آخر ما شاهده على التلفاز، فقال لي “مسيرة مؤيدة كان يراقب فيها طلاب المدارس الذين يلبسون ملابس نظيفة ومرتبة، وكان يرمق الأطفال ويرغب أن يكون لديه لباس أزرق مثلهم”
  • أويس اليوم يعيش داخل مدرسة، ويذهب إلى مدرسة أخرى بلباس مدني، بعد أن انتهيت من مقابلته، ركض هاربا..

………….

  • أفلام الأكشن

 

  • شقيقان آخران، كانا يسيران عائدين من المدرسة، لم يصرّح أي منهما عن اسمه، ورفضا أن آخذ لهما صورة مباشرة، لكن لم يكن لديهما مانع من الحديث سريعا، تفهموا بوضوح أني صحفي، وسألوني في حال كنت “مع النظام” أو “ضد النظام”، “لأن والدهم طلب منهم ألا يكلموا أحد ضد النظام”.
  • أخبرتهم أني “مع نفسي”، وسألتهم عما يشاهدونه، فأجابت الأخت التي بدت أكبر من أخيها، أن الكهرباء تظل مقطوعة لفترات طويلة، لكن في حال جاء التيار الكهربائي فهي تفضل متابعة مسلسل “الفصول الأربعة”، أما الفتى فقال: أحب قناة “الإم بي سي فور” وأفلام الأكشن، وكلاهما نكرا متابعة أي برامج أطفال أو مسلسل كرتوني.

 

 

  • ربما هذه النماذج الثلاثة هي ليست كافية لتعمم قاعدة، لكن استطلاع آراء سريع بين الأمهات يفيد بنتيجة مشابهة لما تحدث به هؤلاء الأطفال.

………….

 

  • الوقت للأخبار

 

تقول أم فيصل 38″ عاما”: لا أراقب ماذا يشاهد أطفالي، لكننا جميعا نتابع الأخبار ونترقب على أحر من الجمر أي نبأ عن منزلنا في حي القدم، وحين أترك أطفالي لوحدهم فقد يشاهدون قنوات الأغاني أو القنوات الدينية.

المفارقة في أنهم يشاهدون الأغاني حين لا يكون والدهم في المنزل، ويتابعون القنوات الدينية حين يكون الأب موجودا، كي ينالوا استحسانا منه ورضى.

 

بينما تقول السيدة لينا 26 سنة، والتي تعمل في مركز دعم نفسي: لم أتزوج حتى الآن، لكن أحرص على نشر ثقافة نفذ العنف عند الأطفال بدء من مشاهداتهم التلفزيونية، وفي حال تزوجت وأنجبت، سأحذف كل قنوات الأخبار من قائمة التلفزيون، أو سأخصص جهاز تلفزيون خاص بأطفالي وعليه فقط القنوات الوثائقية والكرتونية.

………….

 

ختاما..

لا يمكن النظر إلى وضع الطفل السوري بشكل منفصل عن واقعه، الظروف الموضوعية تغطى على أي ظرف ذاتي، وربما يرغب كل الأهالي أن يبتعدوا مع أبنائهم عن ضجيج نشرات الأخبار، لكن الحال “مجبرٌ أخاك لا بطل” يطغى على الجميع…

 

ماهر المونس

نشرت المادة على موقع هنا صوتك

صفحة المدونة على الفيسبوك
https://www.facebook.com/mahermon.wordpress

Advertisements

One response to “كبروا ع بكير.. كبرو كتير كتير…. جولة في عيون أطفال دمشق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s