“على راسي”…


في الليلة التي سبقت مهرجان سينما الشباب، علمتُ بطريقة غير مباشرة أنني واحد من المكرّمين، ولم أعلم ما هي الجائزة تحديدا، لكن بكل الأحوال، هناك منصّة وجمهور وتصفيق طويل، يستدعي انتقاء ثياب تبدو أنيقة إلى حدّ ما..

في تلك الليلة، اضطررتُ للنوم في العمل، ولم يتسنّ لي الذهاب للمنزل وتبديل ملابسي..Untitled
الحمدُ لله كنت أرتدي قميصا، ولبستُ معه “الجاكيت الرسمي” كوني أبقيه في المكتب لأواكب أي شيء رسمي أو عاجل في تغطية إخبارية طارئة.

واقعا لم أنتبه يومها أنني لم أحضر معي حذاء سوى هذا الذي سلبته من والدي قبل عام، حيث وجدت فيه قدماي الكثير من الراحة..

 

أذكر أنه صناعة يدوية شركسية فاخرة، ويبدو عليه بعض التعب، لكنّه مريح جدا لأصابع أقدامي، وهذا السبب أكثر من كاف، لصحفي يمشي في النهار أكثر من 3 ساعات..

في اليوم التالي، دقت الساعة الرابعة، وثلاثون دقيقة تفصلني عن خشبة المسرح..
رويت شعري ببعض الماء، ورويت حذائي بالبعض الآخر وتوجهت مشرقا إلى دار الأوبرا..
حضرتُ الحفل، وتكرّمت، وانتشيت، ونزلت درجة تلو الأخرى وجلست حتى نهاية فقرات المهرجان..

واحدة من صديقاتي الحاضرات، همست في أذني فور خروجنا.. (ليش هيك سباطك قديم.. ما عرفتلك تشتري شي واحد كرمال المهرجان؟)..

فاجأني سؤالها، ولم يملك غضبي كل الإجابة دفعة واحدة، فقررت كتابة هذه الكلمات..

أدري يا صديقتي أنك لم تقصدي أي شيء حين سألتيني عن الحذاء.. لكنّك كما تعلمين أعمل في 3 أماكن دفعة واحدة، ويستدعي ذلك منّي السير من مكان لآخر بشكل يومي، ما يستدعي أيضا اهتراء أي حذاء أشتريه..


تعملين يا عزيزتي أن سعر فردة الحذار في أيامنا هذه يساوي نصف راتب، وربما راتبا كاملا في حال كان الحذاء “فاخراً”..
وتعملين أيضا أنني معيل لعائلتي، وأنني صحفي، ساعة أكون في السوق وأخرى في الميدان…
وتدركين أن قدماي لا تهدأ حتى وأنا جالس على الكرسي.. من الاضطراب والانتظار والترقب والأعصاب المشدودة..
ليتك تعلمي كم مرة ركضتُ بهذا الحذاء هربا من قذيفة.. كم مرة أسرعت لأقبّل حبيبتي خلسة وأنا أهرول فيه.. كم مرّة حتّى نمت عليه حين تركنا الخوف بدون مأوى..

تعلمين أن والدي موظف متقاعد، سرقت حذاءه القديم، ليكون لي حجة كي اشتريت له آخر جديد، لأني “فتى” ولأنه “رجل كبير في السن” يهمّني ما يقول عنه الناس وما يتحدثون..
تدركين، أن هذا الحذاء بالنسبة لي هو أجمل وأطهر وأثمن حذاء طالما أن قدمي والدي حطت رحالها فيه أياما طويلة..
تدركين أن هاتين القدمين أوصلتا هذا الفتى للجامعة وللعمل وللمشفى ولكل مكان آمن ودافئ..

تعلمين.. أنني لا أخجل ولن أخجل.. أنا فخور بما أثمر والدي الأصلع العجوز الستيني.. وأن أبي وحذاءه الطاهر.. “على راسي” من فوق..

أبي الغالي.. بحذائك هذا وصلت لأعلى المراتب.. وسأتابع المسير.. كم أنت جميل..

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s