هل لا زلتُ حيا!

الثانية بعد منتصف الليل، إنها الساعات الأخيرة من أيلول 2014..

أخطأت في كتابة التاريخ مرتين..
مرتان، كتبت 2012، لم ألحظ أنّ سنتان مرّتا بهذه السرعة، رغم أنني في هاتين السنتين، انتقلت من منزل لآخر لآخر، وتركت حبيبة، والتجأتُ لأخرى، وبدّلتُ أكثر من ستة أماكن عمل، وحذاءين وبنطالين وساعة واحدة..

ساعة واحدة في يدي، عمرها من عمر هدية عيد ميلادي قبل الفائت، وساعة أخرى لا تزال في علبة، في منزل ما، لكن العقارب رصدت الكثير من مواعيد متأخرة جراء القذائف والانفجارات، مع ذلك لم ترصد أن سنتين هرولتا نحو جحيم السماء..

في منطقة ما من شرق العاصمة، أسمع كلّ ما يمكن أن يسمع في حرب..
كما يقول درويش، “المفردات تقودني وأقودها”، وربما من الحماقة أن يكتب أحدا في مثل هذا الوقت المتأخر، أو يظنّ أحدا، أن أحدا ما سيقرأ أو سيسمع بضع حماقات فيسبوكية.

تراكمُ التفكير أبقاني يقظا حتى هذه اللحظة، لديّ الكثيرُ من العمل المؤجّل أيضا، فآلاف دولارات السفر، تستدعي عملا متصلا بين الليل والنهار، لكن ذلك كلّه لم يؤرّقني بقدر التفكير بسنة واحدة من المستقبل.
لا أتحدث عن مخطط لعشر سنوات، لا أتحدث عن زواج وطموح جامعي وعمل مع البي بي سي..
كل ما أرجوه في ليلتي هذه هو حسم أموري لأشهر أربعة أو خمسة متبقية لدي..
ساعتان، لم أستطع خلالهما إلا النظر في الساعة بصعوبة بعد أن انقطعت الكهرباء للمرة الألف عن دمشق..

عادة حين يقتربُ الموت كثيرا منّا، نفكر دوما في الهرب منه، وقليل من يفكر في مواجهته..
ربما ننجح في بعض الأحيان، أو أنجحُ حتى الآن في الهروب من الموت..
لكن سيأتي يوم وأفشل..
أتمنى في هذا اليوم أن يكون تفكيري محصور في الموت.. وليس في الهروب منه..
لا أريد أن أموت غدرا، أكونُ مشغولا في التفكير بكيفية الخلاص المعدوم..
في هذه البلاد، ربما لا يوجد هروب من الموت، كل ما هنالك تأخير أو تقديم..

أعود إلى منطقة ما من شرق دمشق..
تذكرني لحظاتي هذه بلقطة هاربة من أفلام التسعينات، حيث أن عاشقا ما محاصرا في مكان ما، يسمع رشقات رصاص كل حين، وانفجارا كل حينين..
غريب.. كل هذه الحرب في محيطي؟ وأنا شبه جالس..
لماذا لا أكتب وصيتي الآن مثلا؟
تتصل بي صديقتي المقيمة الآن في باريس.. تبعدُ عنّي آلاف الكيلو مترات..
تسألني عن حالي.. أحاول أن أسمعها أصوات الصواريخ.. لم تتمكن من ذلك..
اقتربتُ من النافذة.. اسمعي صوت المعارك.. لكنّ جدارا عازلا يحول بينها وبين هذه الرصاصات..
حاولت أن اسجل هذه الأصوات.. لكن المسجّل أيضا استعصى على التسجيل..
بدأتُ أشكّ حقا هل أنا وحدي من يسمع ؟
هل لا زلتُ حيا؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s