عشية يوم الطفل العالمي، وطن على جسر شارع الثورة..

عشية يوم الطفل العالمي، وطن على جسر شارع الثورة..10818673_635293723246958_473730611_n
قبل ثلاث سنوات، خرج عمار من منزله الكائن في حي برزة شمال شرق العاصمة دمشق، إلى مدرسته الموجودة في حي مسبق الصنع المجاور.
عند الساعة السابعة صباحا، ارتدى معطفه وقبعة صوفية خشية البرد القارس في كانون دمشق.
لم يكن يعلم هذا الطفل الصغير، أن ما حمل معه في الحقيبة، هو آخر ما سيحمله من منزله الذي صار كومة ركام.
ولم يكن يدرك ذويه، أن خروجهم من هذا المنزل في ذاك النهار، يعني خروجا أبديا لا عودة عنه، ولا عودة إليه.

يمرّ يوم الطفل العالمي –العشرون من تشرين الثاني- على عمار وعائلته، كباقي أيام السنة، بعد أن نزحوا من منزلهم، لا سقف يأويهم الآن، ولم يتبقى من عائلة عمار إلا أمه.
تنام أم عمار كل يوم على “كرتونة” في حديقة المرجة، تلتحف الأرض، وتتغطّى بالسماء، وشأنها العشرات أيضا من مثيلاتها اللواتي نزحن من مناطق مختلفة، فيما ينام عمار على درجات جسر الثورة المجاور، لعلّه يستدرج استعطاف الموظفين المتوجهين صباحا إلى أماكن عملهم، وحين يشتدّ البرد، يفضّل النوم على الرصيف بجانب الحائط الذي قد يقيه صفعات الرياح.

وليس الأمر بغريب على أقران عمار وأٌرانه، طالما أن تقرير منظمة اليونسيف، يقدم أرقاما وصفت بالصاعقة، تتحدث عن 6 ملايين طفل سوري يحتاجون لمساعدة فورية، فيما يبات اليوم مع غروب شمس هذا النهار ما يزيد عن مليون طفل سوري في العراء!
مليون عمار إذن هم مبعثرون على جسور وطرقات وركام وبقايا منازل السوريين.
بينما، تبات الليلة آلاف الأمهات الثكالى بدون أن تسمع أصوات أبنائها التي أخمدتها الحرب، وأطفأت شمعة حياة ما يزيد عن 16 ألف طفل رحلوا جراء دائرة العنف المتواصلة في البلاد.

16 ألف اسم موثّق، وآلاف الأسماء ذهبت بين الركام وتحت الأنقاض، دون أن يسمع بهم العالم.
تقول اليونسيف دائما، إن الأرقام الحقيقة هي أكثر بكثير من تلك الموثقة، وتصف ما حصل في سورية، بـ “الكارثة البشرية” لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث.

لا يشعر عمار بالخوف من الصحفيين، أو الفضوليين، ولا سيما أولئك الذين يصورون تشوها في أطراف وجهه، لكن ما يخيف حقا هو معرفة أنه لا يزال حوالي 40 طفل ألف سوري مصابا أو جريحا وبحاجة لمعالجة فورية.

الأطفال المصابون في سوريا، جزء كبيرٌ منهم، هم في طريقهم للموت، أو الإعاقة الدائمة، إذا لم يسعفوا في الحال، وفي الحال تعني الساعة، أو الليلة، وليس بعد شهر أو شهرين.
وبعملية حسابية بسيطة، تظهر النتيجة أن كل ساعتين تقريبا، يرحل طفل سوري بسبب الحرب الدائرة في البلاد.
من جانب آخر، يمسي عمار واحدا من أربعين بالمئة من أطفال سوريا هم خارج مدارسهم، فيما لم يدخل هذه السنة أكثر من مئة وخمسين ألف طفل سوري هم في سن الدراسة أصلا.

الجميع، يعلم، ويتوقع، مستقبلا مخيفا مريبا لسوريا، فأطفال اليوم، هم شباب الغد، وأي أطفال يكبرون على أصوات المدفعية، وقذائف الدبابات، وأي فتيان، يلعبون بالبنادق، والقنابل.

أما بالنسبة للنازحين، فحسب اليونسيف أيضا، ارتفعوا مع نهاية هذه السنة ليكملوا الثلاثة ملايين طفل نازح، بين نزوح خارجي وآخر داخلي، فيما لا يزال ما يزيد عن 320 ألف طفل لم يكملوا الست سنوات، هم في مناطق محاصرة، بالمقابل، أثر الصراع على 5.5 مليون طفل سوري، بينهم عمّار وغيرهم.

يشار أيضا إلى أن أرقام النازحين غير الرسمية، قد تتجاوز المليون مدني، بينهم أكثر من 300 ألف طفل.
تنشرُ اليوم مئات التقارير عن وضع الطفولة السورية، لكن حبر الورق لا يؤثر شيئا على حياة عمار الذي اعتادها طيلة الأشهر الماضية، مع المفارقة اليوم، أن دمشق تغرق بالأمطار، والبرد القارس الذي يزداد قسوة على حديد شارع الثورة.

في هذه اللحظات التي أكتبُ فيها مقالي من وراء شاشة حاسوب، في منزل مسقوف، وبحدّ أدنى من الدفء، يحاول عمار أن ينام هذه الليلة، لكنّ ذلك شبه مستحيل مع طقس كهذا، تمضي الساعات إلى أن ينهكه التعب فينام على البرد بعد أن يعتاد عليه.

في الصباح، يستيقظ الطفل شبه متجمّد، لا يهنأ بالدفء حتى يصير الليل مرة أخرى، وهكذا تمرّ أيامه وأيام أصدقائه.

حين تسأل عمار، ماذا تريد أن تفعل في المستقبل، يسخر منك بنظراته، ويُخجلك صمته المخيف، لا تسطيع أن تبقي نظرك طويلا في عينيه، فقد كبر عمار قبل أوانه، وفي نظراته شرر الحقد على التراب الذي لفظه.

لا تزال قبعة عمار الحمراء التي خرج بها من منزله قبل أعوام على رأسه، وقد فعل الزمن بها عدة ثقوب، ولا يزال معطفه هو ذاته أيضا، مع تبدلات أحدثها المناخ في اللون والجيوب.

لا يفعل عمار شيئا سوى الانتظار… انتظار الصباح حتى يأتي، ومن ثم انتظار المساء، لينتظر الصباح مجددا، لينتظر الدفء، لينتظر مرور الوقت..
يمرّ عداد الزمن في حياته، كشيء روتيني لا بدّ له أن يمضي.. لكن واقع الحال.. أن عمار وآلاف الأطفال السوريون.. هم أحياء، ميتون….

ماهر المونس | دمشق

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s