“الصحافة” في زمن الكوليرا!

 يذكر طلّاب دفعة 2007 في كلية الإعلام بجامعة دمشق إطلالة الدكتور مروان قبلان على المدرّج التاسع في البناء القديم، حيث افتتح محاضراته بجملة “خطأ الطبيب يقتل شخصا، لكن خطأ الإعلامي –قد- يقتل شعبا”، مستشهدا بذلك على المهمّة الصعبة التي تواجه أي إعلامي “مهني”.

ربّما كلمة “مهني” النسبية والتي تتفاوت معانيها بنسب كبيرة، إلا أنها وبكل المعايير تشملُ عدم استغلال الأطفال “لأغراض دعائية”. اليوم هو اليوم الرابع من العاصفة التي ضربت دمشق، وكالعادة، دائما يجد أبناء البلد الأخطر في العالم ما يختلفوا عليه، لكن قناة الأورينت –كمثال يضرب ولا يقاس- أرادت أن تسجل نقطة جديدة في “خروقات اللامهنية”.
فيديو مؤلف من دقائق قليلة، يعرضُ مسرحيّة مقيتة، مفادها أن شخصا يصوّر طفلا يرتعدُ من البرد فوق الثلج في واحدة من المخيّمات. معاناة أطفال المخيمات لا يمكن لأحد أن ينكرها، لكن اللافت في الفيديو هو أن الطفل يظهر وبشكل واضح أنه وقف في البرد بناء على طلب المصوّر، والأكثر وقاحة هو “الاستغلال” الأقصى لوقوف الطفل، ومن ثم تمرير رسالة سياسية “انظروا ماذا فعل النظام…. الخ”.
لم تكن قناة الأورينت هي الوحيدة، ولن تكون المرة الأخيرة التي يحدث فيها ما حدث، من إجبار الأطفال على أن يكونوا “كومبارس” في أفلامهم القصيرة، أو الكتابة على ووجههم، أو تحميلهم لافتات لا يستطيعون قراءتها حتى. على الضفّة الأخرى، نشرت اليوم شبكة إخبارية وهي واحدة من الشبكات المحسوبة على موقف الحكومة السورية، نشرت صورة لطفل “قالت إنه ضائع، وتم العثور عليه، وفي حال تعرّف عليه أحد يرجى التواصل مع الشبكة… الرجاء النشر والمشاركة”.
اللافت في هذه الصورة هو لوغو الصفحة الذي يحتلّ مساحة أكبر من مساحة الطفل، وكأنما هذه الطريقة في نشر الصفحة باتت تخفى على أحد، واستغلال عواطف الناس ومشاعرها في مشاركة الصور ونشرها ظنّا منهم أنهم يساعدون في العثور على ذوي الطفل.
أيضا، لم تكن هي المرة الأولى التي تستخدمها هذه الصفحة وغيرها من الصفحات كطريقة للانتشار “اللا أخلاقي”، وإذا كان الهدف غير ذلك، فلتوضع الصورة بشكل حر بدون لوغو، ليأخذها الجميع وينشرها.
لستُ في وارد المقارنة ولا التقييم، وإنما أضع ما تعلمناه في سطور الكتب على معايير ما أرى، وأتابع عملية “تحليل المضمون” غير المباشرة، وأتعثّر هذه المرة بصفحة “فرنس 24” الفرنسية، وقد وضعت شريطا أسودا على صورتها الشخصية، وعنونت مادتها “مجزرة في باريس” في إشارة للحادثة التي حصلت قبل يومين في مقر صحيفة “شارلي إيبدو”.
في تفاصيل الخبر كتبت القناة أن “إرهابيين” هاجموا مقر الصحيفة، و”الجيش الوطني الفرنسي” يتعامل معهم. القناة ذاتها نشرت “أن المعارضة المسلحة هاجمت أحد مباني الإعلام الحكومي” حين حصل الهجوم على مقر قناة الإخبارية في أيار 2012. هنا مرة ثانية، يخبرنا الإعلام أنه ملك سياسته التحريرية، وملك مموّله، وأنه يمكننا أن نسمع كلمة “إرهابيين” على قنوات غير القنوات الرسمية السورية “التابعة للنظام السوري”، وأنه في لحظة من لحظات سيكون هنالك عبارات وجمل رتيبة تابعة للنظام الفرنسي …الخ.
بكل تأكيد لا ننسى ماذا فعلت القنوات اللبنانية “الأكثر مهنية وحيادية” بعد مقتل أحد الجنود اللبنانيين على أيد متشددين، حينها ارتدى الجميع البزّة العسكرية، في مشهد لم تفعله أشد القنوات ولاء للحكومة في سوريا.
مزيد من تصفّح الفيسبوك، ومزيد من التعثّر بما ينشره الإعلام، واحد من الناشطين المحسوبين على صفّ الحكومة ينشرُ صورة على أنّه في أحد مناطق القلمون وسط الثلج، ولا يظهر من الصورة إلا “شخصه الكريم” والكثير من البياض حوله، والذي ينسحب على أي مكان، وأي زمان.
لم يكن يعلم هذا الناشط أنه حين نقول أننا في مكان “كذا” فهذا يعني تصوير المكان، وليس تصوير قامة الناشط، وملابسه، ملامح وجهه. أتابع تصفّحي الذي بدا ملولا ككلّ يوم، سانا، تتحدث عن تقدم في جوبر، ولو كان الجنود يتقدمون كل يوم نصف خطوة لوصلوا إلى دير الزور، والجزيرة تتحدث عن حصار في الغوطة، لكن لا أحد يعلم غير الربّ والحواجز، كيف يدخل كل شيء إلى الغوطة إلا الطعام… “أخبارُ يومية، ولا أدري إذا كان المحررون يعيدون صياغة جملها، أم يكتفون بالنسخ واللصق وتغيير التاريخ.
في ذات السياق، تتعثّر بذلك الصحفي المتذاكي على الناس ببضع خدع إعلامية، وكأنّ خداع الناس هو الغاية والوسيلة، يبني خبرا مزيّفا على صورة صحيحة، أو يضع صورة خاطئة على خبر مبالغ فيه، أو يصنع خبرا فيه الكثير من المعلومات الصحيحة وبعض التفاصيل “المؤثرة” والمغلوطة، أو يمرّر عبارات الشحن الطائفي…. الخ.
ربّما يمكن أن يعمل في حقل الإعلام من هو ليس بصحفي، من الجيّد أن يكون صوته جميل، ويكون مقدما إذاعية، أو أداؤه واثق، ليكون مراسلا، أو حتى حواره متقن، ليكون محاورا، ولا بأس أن يكون مصوّرا، لكن بكل تأكيد ليس صحفيا حسب رأيي. بالعودة إلى محاضرات كليّة الإعلام، طُرحت مرّة إشكالية نشر صور الجثث والأشلاء على شاشات التلفاز، وانقسم الطلاب بين مع (لنقل الصورة كاملة) وبين ضد (احتراما لما تبقى من إنسانيتنا).
حينها أخبرنا الدكتور المحاضر أن المحطات حين تنشرها ليس لهدفها السامي في نقل الحقيقة كاملة، إنما لأن هذا النوع من الصور يجلب عددا كبيرا من المتابعين لا أكثر، ختم كلامه، أن الإعلام ليس علما، ولا فنّا، ولا مهنة حتى… الإعلام رسالة.
ملاحظة 1: الأمثلة المضروبة على سبيل الطرح لا الحصر.
ملاحظة 2: إذا لم تعجب هذه الكلمات بعض المتعدّين على الصحافة، فهو المطلوب… ازعاجهم.
ماهر المونّس – دمشق

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s