كيف تلقّى سكان حي الميدان دخول “تنظيم الدولة” إلى مخيم اليرموك؟ شهادات من الجانب الآخر للسؤال..

كيف تلقّى سكان حي الميدان دخول “تنظيم الدولة” إلى مخيم اليرموك؟ شهادات من الجانب الآخر للسؤال..

ماهر المونّس- دمشق

على بعد أمتار من كتلة النار الملتهبة في مخيم اليرموك جنوب العاصمة، تقف أم طلال وسط حي الميدان، بانتظار حفيدتها على باب مدرسة “الروابي”، فقد باتت تخشى عليها أكثر من ذي قبل، بعد أن علمت العجوز ذو السبعين عاما، أن مقاتلي “تنظيم الدولة الإسلامية” على مرمى رصاصة من حي الميدان.
– “خوف ممم ما فيي قلك ما في خوف.. بس انشا لله الوضع بصير أحسن..” تجيب أم طلال
– – بتخلّي حفيدتك تنزل تلعب بالشارع؟
– ” لأ طبعا.. باخدها من إيدها.. من الروضة ع البيت”
– – ليش؟
– ” بخاف عليها من قذائف الهاون.. بعدين لك ابني مو سمعان صوت الدج”.

لا شيء تغيّر في شوارع الحي، فالحركة هي ذاتها، والمحلات مفتوحة، لكن همسا بين المارة والباعة وركّاب السرافيس، يتحدثون فيه عن توجس بات يوميا، من دخول عناصر “تنظيم الدولة” إلى حيّهم.
تجربة “مريرة” عانى منها سكان حي الميدان جنوب العاصمة في تموز 2012، بعد أن ذاقت جدران الحي “اشتباكات ومعارك طاحنة”.
كما تجرّع أهالي الحي الدمشقي العتيق معنى كلمة “نزوح” بعد أن تركوا منازلهم إثر “عمليات عسكرية دارت” إبّان تسلل مقاتلين معارضين من منطقة الحجر الأسود إلى حي الميدان.

يقول سيمون (اسم مستعار) أحد أطبّاء الحي: “أنا شخصيّا مالي خايف على حالي.. بس خايف على ولادي.. نحنا مو مع حدا.. بس تعبنا من الضرب..”
– – شو أكتر شي بتكرهو بهالحرب؟
– مممممم كلشي.. ما فيها شي حلو.. بس كتير صعب تخسر ناس بتحبها.. سواء ماتت او سافرت او اختفت..
– – مرتاح؟
– كذّب عليك؟ لا والله مالي مرتاح.. قاعدة عندي اختي وجوزها بيتن راح ببرزة.. وشوفة عينك ما حدا مبسوط.

لا حسم عسكري في مخيم اليرموك جنوب العاصمة بالنسبة للكتائب والفصائل والمجموعات التي تتقاتل فيما بينها فيه، وإن لم تتغير خطوط النار بالنسبة للجانب الحكومي، فإن الحكومة تعتبر كل مسلحي المخيم “ارهابيين” وهم سواء بالنسبة إليها.
مع ذلك، فإن “شبح داعش”، يعيد مخيم اليرموك إلى صدارة الأخبار، ويعزّز توجسا، تضخّمه وسائل إعلام معارضة على أنّه “خوف عارم”، وتصغّره وسائل إعلام مؤيدة على أنّه “حياة طبيعية”، لكن “المخاوف” أمر لا يمكن نكرانه في وجوه معظم الدمشقيين، الذين رغم ذلك، خرجوا إلى حياتهم الروتينية.

من جانب آخر، وأثناء انتقالي من حي الميدان إلى حي الزاهرة، لم ألحظ أي حركة “استثنائية”، كل ما يُلاحظ للعيان أن يوما عاديا من أيام جنوب العاصمة يمرّ كغيره، إلا أن أصوات رصاص القنص يلوح صداه من بعيد، ويسمع بين الحين والحين صوت قذيفة أو انفجار، يعلم الجميع أنه من الجبهة المجاورة، أي من مخيم اليرموك.

في ذات السياق، ولأسباب عديدة يطول شرحها الآن، يخشى سكان دمشق بشكل خاص، والسوريون عموما، من التحدّث للإعلام، أو الظهور على شاشات التلفزة، أو حتى الحديث الشفهي للصحافة.

حين إخراج ورقة وقلم، أو فتح آلة التسجيل للاستماع إلى شهاداتهم، تنحصر إجابات من تقابله بـ “الله يفرج يا رب علينا كلنا”.. ” الله يهدي الحال والله تعبنا” .. ” ممم ما بعرف مقطوعة الكهربا طول الوقت وما عم اسمع اخبار” .. ” الله يديم علينا بيوتنا والله ما بدنا شي غير السترة”.

على موقف جامع الحسن في حي الميدان، يتمتم منتظرو قدوم الحافلة، جلّ حديثهم هو تماما مغاير لذاك المتداول على نشرات الأخبار.

هنا في قلب شوارع أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، “استُهلكت” منذ زمن بعيد سجالات “الموالاة والمعارضة”، ولم تعد تسمع أحدا “أبدا” يتحدث عن مواقف سياسية، أو تحركات ميدانية، أو الخوض في زيارات الرؤساء وتصريحات وزارات الخارجية.

ليس سرّا، أن همّ المواطن الدمشقي الأول هو “الكفاف” أطول قدر ممكن خلال الشهر، دون أن يلجأ إلى “خطة طوارئ” لإتمام بقيّة الأيام ريثما يأتي مرتّبه الشهري.

على ذات الموقف، أحد الطلّاب الذين كان يراقبني بحماسة لمعرفة ما أفعل.

– – مرحبا صديقي.. أنا صحفي.. انت أي صف؟
– أهلين.. (مع ابتسامة مريحة).. أنا صف حادي عشر
– – حابب اسألك شي؟ بتحب الصحافة؟
– أي اسألني.. كلو تمام الحياة طبيعية ما فيها شي متل مالك شايف (محاولا أن يخبرني بطريقة غير مباشرة أنه مؤيد للدولة السورية)
– – انت بتشوف نشرات أخبار شي؟ أو خليني اسألك انت شو بتشوف ع التلفزيون؟
– والله ما بشوف شي.. (محاولا إبعاد أي تهمة عنه)..
– – طيب خلص بلا الأخبار.. إذا صار معك مليون ليرة شو بتعمل؟
– ممممم بسافر.
– – شو اسمك انت؟ ما تخاف بس حتى تنزله بالمادة.. اسمك الأول بس
– وليد.. (ذكر الكنية لكن حذفتها).

تختصرُ إجابة وليد، إجابات الكثير من الجيل الصاعد، الذي لا يسمع من أهله وذويه ومحيطه أحاديث، بقدر سماعه عن أحاديث السفر، فالجميع بات يعلم أن الحرب لن تكون قصيرة.

تجاوزتُ حيي الميدان والزاهرة باتجاه قلب المدينة، توجّهتُ إلى سوق الصالحيّة، كنتُ قد قررتُ شراء بنطال، وإهدائه إلى نفسي بمناسبة يوم ميلادي، وغيّرت رأيي مباشرة فور مشاهدتي لآخر تحديثات الأسعار.

تنقّلت بين وجوه المارة التي يعجّ بها سوق الصالحيّة، تحكي لك عيون من تقابلهم كلّ ما تحدثتُ عنه أعلاه، لا داعي لكل هذه اللقاءات والمقابلات، فالوجوه تفيض بما حملت على مدار 5 سنوات.

لكن القصة لا تنتهي هنا، ربما فقط هي البداية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s