مدينةُ الخوف… دمشق

ترسلُ لي صديقتي من باريس بشكل يومي رسائل الاطمئنان إلى دمشق، تستطلع أحوالي، وترى المدينة بعيوني وكلامي، وأحاول قدر الإمكان تطمينها عن نفسي، وإخبارها عن واقع المدينة الحزينة.

بينما أرى بعيونها وكلامها العالم الآخر جغرافيا في القارة الأوروبيّة، لكنّ كأنّما كتب القدر على السوريين الشقاء في هذه السنوات.. سواءً كانوا في فرنسا أو سوريا أو أي مكان آخر..

الغصّة ليل أمس استحوذت على حواسي، فما عدتُ أستطيعُ حبس مدامعي أكثر، وإن زاد بكائي كثيرا خلال الأشهر الماضية، كمراهق فقد حبيبته، أو طفل أضاع لعبته، وأنا الكهل الذي رحل عن منزله، والشاب الذي يزيد ساعات عمله عن ساعات نومه وأكله وبكائه..

استمر في القراءة

ممتنّان للحرب “رغم التحفظات”.. حسن وشيرين.. حالة من آلاف حالات الزواج رغم الحرب في سوريا..

ممتنّان للحرب “رغم التحفظات”.. حسن وشيرين.. حالة من آلاف حالات الزواج رغم الحرب في سوريا.. لربما هي قوة المحبّة، أو نضج الارتباط بين انثين يدفعهما للزواج والعلاقة الرسمية فيما بينهما، لكن ظروف الحرب تغير الكثير من المعطيات التقليدية لتطفو صعوبات “لم تكن موجودة من قبل”، كما سهلت الحرب بعض الظروف الأخرى بسبب الحرب أيضا. استمر في القراءة

خط عسكري..

قبل سنة، أي في تشرين الأول 2012، كان الشتاء قد احتلّ ساحات دمشق باكراً، وأما على أطراف المدينة، خاصة في مناطق الريف، كان البردُ مضاعفاً، يُخدّر الأطراف، ويجمّد الشفاه، وماء العيون في الجفون.

في بلدة تسمّى قدسيا، غربي دمشق، يمرّ من هناك أحد فروع نهر بردى الأساسية، ويمرّ معه صقيع يكسرُ الحجر، ولا يكسرُ الخوف الممتلئ من ظلمة المكان.
اشتباكات عنيفة دارت في هذه المنطقة العام المنصرم، حوّلتها من مقصد سياحي، إلى ميدان معركة، رَكَدَ على جمر، لا يدري أحدٌ متى يشتعل.
لستُ إلا عاملَ تنظيفات، تبدّلت نقطتي التي كنتُ أُنظّف بها، فصار عليّ أن أركن عربتي النظيفة قرب منزلي.
واقعاً كانت عربتي نظيفة، رغم أنها مليئة بالقمامة..
ربما لأن عيوني أرادت أن تراها نظيفة..
أجملُ ما في عربتي، أنها تمرّ على الخط العسكري دون تفتيش، متجاوزة كل السيارات وطوابير الدور… ألقي تحيّة، وأتابع المسير..

استمر في القراءة

ليلة صعود دمشق… إلى السماء..

ليلة صعود دمشق… إلى السماء..

 1122

قبل حوالي 5 سنوات أو أكثر قليلا:

  •  كانت أول رجفة قلب لي عندما قابلت تلك الحسناء في معهد اللغة الإنكليزية الكائن بشارع 29 أيار.. معظم الدمشقيين يعرفون جيداً معهد دار الألسن الذي ربما حوى ما حوى من قصص الحب..
  • أذكر جيداً يومها كيف رجفت يداي وقلبي وأنا أتعثّر بالكلمات كيف أخبرها بإعجابي لها..
  • ويومها أصابني ألم في الخاصرة تمدّد في كل أنحاء جسمي لم أجهل السبب..
  • كان دوام المعهد أيام الأحد والثلاثاء والخميس.. وكان ألم خاصرتي يرافقني مع كل لقاء لمحبوبة المستقبل.. وكأنها متلازمة الحب كانت حينها..

قبل حوالي سنتين أو أكثر  قليلا:

  • أذكر كان يوم الأربعاء، وكان عندي تقديم أول مادة امتحانية تمهيداً للتخرّج، قبل المادة بخمس ساعات بدأ ألم في خاصرتي يتبدد أيضاً إلى كل أنحاء جسمي، إلى أن انتهيت من المادة وعدت لأنام في البيت عدة ساعات…
  • تجدد ألم الخاصرة قبل كل مادة امتحانية، وكأنها متلازمة الامتحان حينها…

  استمر في القراءة

جدولٌ لا ماءَ فيه !

• مخطئ من يظنّ أن سكان دمشقَ باتوا يخافون من صوت مدفع أو هدير دبابة أو صراخ البنادق في السماء وعلى الأرض، كلّ هذه الحرب أصبحت مثل وجبة الفطور يمارسها الموطن ويعيشها بحالة اعتياد غير طبيعية.

• مخطئ من يعتقد أن أهالي الشام يكترثون كثيراً بنشرات الأخبار، أو حصاد الأسبوع على الجزيرة أو شريط العاجل المقزز على أي قناة تلفزيونية !
جلّ أخبارهم تتعلق بطوابير الغاز وهل جاء المازوت إلى الكازية وأي الحواجز المرور عليه أسهل ومتى ستنقطع الكهرباء وماذا عن أخبار جواز السفر وكيف تأمن الفيزا !

• تاليا، ابنة أخي، باتت تضحك مع كل ضربة مدفع، ما إن يهدر بقذيفة، حتى تسارع للصراخ ضاحكة (مدفع مدفع..) وتبتسم كناية على أنها عرفت مصدر الصوت، ثم تتابع لعبها بكرة صغيرة ترميها نحو الحائط، وتعود للصراخ ضاحكة (مدفع مدفع..).

استمر في القراءة

فارس وسلمى..

عن قصة حقيقة، تم فقط تغيير أسماء الأماكن والشخصيات:

………………………………………………….

ما زالت على هذه الجلسة منذ تسعة أيام..

مرتدية فستان زفافها المؤجل، وتعانق منديلين، أزرقٌ وأخضر، متسخة الوجه، تجلس على وشاح أسود وقدماها الحافيتان تلامسان بطن الأرض، جالسة على بساط، بجانب كرسي خشبي منحني الظهر، واضعة رأسها بين ركبتيها، لا تحنّ ولا تأنّ..

تأكل كيلا تموت فقط، وتتنفس قدرا ً يبقيها في هذي الحياة، وتشرب كي تقوى على البكاء، فهي ما زالت في صدمة أثقل من رمل البحر، مذ سمعت نبأ موت فارسها برصاص قناص في دوما بريف دمشق..

تسعة أيام على رحيل فارس، وتسعة أيام من صمت النهار، وأنين الليل، تتقلب تقلّب العليل، تتخبّط تخبّط المسموم، تتلوّى تلوي الظمآن من حرارة الصحراء، لا تعي أيامها ولا تعدّ الساعات فقد أصبحت كل الدقائق متشابها، كل الدقائق تقود قلبها إلى صورة فارس المعلقة بخيطين على جدار غرفتها الأيسر..
استمر في القراءة

مهرُ دمشق..

العروس دمشق

العروس دمشق

اليوم صباحا، في الطريق إلى مشفى المجتهد لعيادة أحد أصدقائي المصابين بتفجير أمس الأول، عادت بي الذاكرة عامين للوراء، حين سافرت إلى مدينة الجزائر العاصمة.
نزلتُ في المطار وعلى الموعد كان هنالك شخص طيب نسيتُ اسمه لأنه كان غريباً، لكن صمته اللطيف رافقني طوال رحلتي..

على طريق الفندق وقبل أن تهدأ أنفاسي همسَ لي صديقي الطيب عن خصوصية الشعب الجزائري وقال لي:
“إياك وكثرة المزاح، ولا تبالغ في الضحك، وإذا كان ولا بد فاكتفِ بالتبسم.. الشعب الجزائري شعب طيب ومضياف ومساعد ويحبّ السوريين كثيراً، لكن كما تعلم الجزائر بلد المليون شهيد.. اليوم لا يخلو بيت جزائري من صورة معلق في زاويتها شريط أسود.. لا تخلو عائلة جزائرية من حزن عتيق لفقد شهيد في الثورة ضد المحتل الفرنسي..لذلك تجد معظم الوجوه صامتة عاقدة الحاجبين وفي ابتسامتها خجل رتيب…”