مدينةُ الخوف… دمشق

ترسلُ لي صديقتي من باريس بشكل يومي رسائل الاطمئنان إلى دمشق، تستطلع أحوالي، وترى المدينة بعيوني وكلامي، وأحاول قدر الإمكان تطمينها عن نفسي، وإخبارها عن واقع المدينة الحزينة.

بينما أرى بعيونها وكلامها العالم الآخر جغرافيا في القارة الأوروبيّة، لكنّ كأنّما كتب القدر على السوريين الشقاء في هذه السنوات.. سواءً كانوا في فرنسا أو سوريا أو أي مكان آخر..

الغصّة ليل أمس استحوذت على حواسي، فما عدتُ أستطيعُ حبس مدامعي أكثر، وإن زاد بكائي كثيرا خلال الأشهر الماضية، كمراهق فقد حبيبته، أو طفل أضاع لعبته، وأنا الكهل الذي رحل عن منزله، والشاب الذي يزيد ساعات عمله عن ساعات نومه وأكله وبكائه..

استمر في القراءة

Advertisements

هلوسات حرب..

كنتُ، قبيلَ هذه الحرب، أوصف بالمتفائل المبتسم، وربما من نٍعم الله أنني عُرفتُ بين أصدقائي بحسن الاستماع إلى مشاكلهم لأنني دائما أقوم بتبسيط الأمور وحلحلة العقد وما إلى هنالك.
أياً يكن، فإنني ما زالتُ -رغم كل الألم- أحتفظ بكثير من التبسّم، وما زلت رغم التعب أجد لكل مصيبة محلا من الإعراب..
كانت أولى الأحزان فقد الأحبة واحداً تلو الآخر بداعي السفر.. لكنني كنت أواسي نفسي أننا سنلتقي مجدداً وسيكون اللقاء بعد الشوق أجمل..
ثم بدأنا بفقدهم دون رجعة، وكانت استشهادهم عزاء وسلوى.. “فللآخرة خير وأبقى”..

وبعد خرجنا من منزلنا، أخبرتُ نفسي أنني خرجت من منزل لأخر.. وهناك الآلاف خرجوا من منازلهم للعراء..
ثم فقدَ أبي عمله، فبشّرتُ أمي، وقلتُ لها هناك من فقد عينه أو ساقه أو ربما حياته كلها والحمد لله والدي لم يصب بأذى..
ثم اختطف أحد أصدقائي المقربين، وكانت السلوى أنني عاد مع رأسه على أكتافه، ولم ينالوا من جسده إلا بعض الكدمات وقليلاً من التورّم في الأقدام..
وبين هذا وذاك تفاصيل لا تعدّ ولا تحصى من الغلاء إلى تأجيل عرس أختي عشرات المرات، مروراً بخسارة الكثير من الأصدقاء بسبب السياسة..

أياً يكن، فإن هذذه التفاصيل وغيرها من مشاهد الموت المتكررة صار يعرفها كل سوريّ جيداً، واقترب الموتُ من كلّ واحد منا حتى التصق فما عاد يراه..
كل ما نراه هو أننا سلعة سياسية أو مادة إعلامية وبأحسن الأحوال نكونُ رقماً على شريط أحمر تلفزيوني مزبرج بكلمة عاجل !

سنتان.. كأنهما عشرين عاماً من النضج.. وخمسين سنة من الحزن المقدّم جعلتني أغيّر طريقة تفكيري في كثير من الأمور..
)بالمناسبة أنا أكتب الآن لأنني أريدُ أن أكتب لا لسبب آخر(..
لكنّ ذلك لم يمنعني من استغلال هذا الواقع المزري لاحتيالاتي مع حبيبتي..
استمر في القراءة

دورة حياة شوقي..

 

في مملكتي..

كل شيء ملكوتي..

فالشوق (دودة قزّ) تصبح (فراشةً) تطير وتحوم حول على أزهاري..

تحمل على أجنحتها عطراً وطيباً… تجيء بأكوام العسل لأكتب بها حروف اسمها..

في مملكتي..

(طفولة) نار الشوق تخمد باللقاء.. يكون شوقاً يحبو على نقاطه..
لم يتعلم بعد كل الحروف ليعبّر بها..
فإذا زاد وكَبُرَ وأصبح الاشتياق بعمر (الصِّـبا)، فلربما تخمد نيرانه بعد اللقاء بالعناق… وفي (مراهقة) الشوق يصبح مزاجياً.. مع ذلك.. يبقى ضمن نطاق سيطرة عقلي وقلبي..

وأحياناً يزيد الشوق ليصير بسنّ (الرجولة) أو (الأنوثة) لا فرق..
فلا يطفأ لا بللقاء ولا بالعناق..

استمر في القراءة

“الرسم بالكلمات …”

“الرسم بالكلمات ..”
‫كان أحد دواوين معشوقي نزار ..
كان اسمه الرسم بالكلمات ..
نزار الحقوقي والشاعر .. من لم يعرف كان رساماً أيضاً ..
في المرة الأولى التي سمعت فيها هذا التركيب استوقفني كثيراً
ربما نزار من كثرة ما كتب .. وجمال ما أبدع فالأمر عنده لن يتوقف على كلمتين .. رسم وكلمات
لكن الأمر كان عندي مختلف .. لأنني ومن حيث لا أدري كنت أرسم بنفس المرسم
ولكن بغير كلمات ..
رسمت طويلاً
وكل الظن بي أنني الأمهر والأبرع ..
لدرجة أن نفسي أصابها الفرور وحملها إلى رياح لم تشتهيها سفني فيما بعد ..
اليوم نزلت إلى جانب النهر .. منتظراً قدوم حبيبتي ..
أريد أن أريها ما رسمت ..
وأنا كلي تفاؤل أنها ستبهر .. بل ستبحر بين خطوط أقلامي السوداء ..
واحدة رسمتها باللون الأحمر القاني ..
ثانية رسمتها بالأبيض المالح ..
وثالثة استغرقت مني 22 سنة
رابعة لم تنته بعد ..
خامسة من نسيج النور..
سادسة من صنع الإله
وسابعة وثامنة .. اكملتها للعشرين ..

زينتها بماء الورد ..
لم تشأ حبيبتي – قصداً ربما وربما من غير قصد – أن تطيل وقوفي ..
لكن ……….
اقتربت ..
اقتربت أكثر ..
فأكثر ………
مرت … وراحت ..

كان في يدها أجمل مما رسمت ..
وكان على وجهها أبرع مما نسجت ..
لم أكن أعلم أن حبيبتي قديس يعبد
وأن غيري من العبيد اجتهدوا اكثر مني
فصلوا وصاموا لها ..
ونالوا علامة المرور .. النعيم الأبدي

أما أنا فرسوماتي لم تكفل لي إلا بقليل من الروح والريحان ..

حمداً لله
كان النهر بجانبي
خجلاً..رميت ما رسمت ..
وبهدوء الدخول .. رحلت ..
لم أشأ أن أغتسل في ذاك النهر
خشيت أن ألحق به العار أبد الآبدين..

استمر في القراءة